الوصية الممنوعة - الزبيدي، علي صادق - الصفحة ٧ - مقدمة المركز
يعلم بأن الذي أرسله بالهدىٰ ودين الحق لم يقل له انك ستبقىٰ إلى يوم يُبعثون ، وإنما قال له : ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ).
فعلام لا يكون النبي الخاتم إذن من أكثر الأنبياء حرصاً علىٰ بيان مركز القيادة ـ في وصيته ـ من بعده ؟
إن ابتداء دور الخلافة بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة ، وانطلاق وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من النقطة التي تمثل انتهاء مرحلة النبوة في التاريخ لا يساعد علىٰ تصور اغفال عقل الكون كله للدور الجديد الآتي بعده ، الأمر الذي يؤكد اعطاء وصيته (صلى الله عليه وآله وسلم) خصوصية زائدة تختلف عن جميع وصايا الأنبياء السابقين (عليهم السلام).
ونظرة أمينة لا خائنة في فكر أهل البيت (عليهم السلام) ـ باعتبارهم المعنيين بوصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون غيرهم ـ كافية لكشف الحقيقة لمن أرادها في عدم تنازل هذا الفكر النقي عن الوصية ، ولا التخلّي عن حمايتها ، أو الاستهانة بمركزها ؛ إذ تبنّىٰ مسؤولية الدفاع عنها والدعوة إليها ، وتأكيد ثقلها في حاضر الأمة ومستقلبها ، كل هذا مع فسح المجال للتفكير بجدية معطياتها ، ودراسة أسبابها وتاريخها ، وكيف صُمّت الآذان يوم الدار عن سماعها ، وكيف منع النبي في رزية يوم الخميس من كتابتها !
أمن الغرابة إذن لو أنتفضت مُثُل الإسلام وقيمه العليا ؛ لتحمي تلك الوصية ممّا لحقها ـ في تاريخها ـ من صدٍّ ، ولقلقة ، ومنع ، وتشويه ، وتزوير ، وتحرسها بأشدِّ ما يكون وفاءً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتعبيراً عن الالتزام بخط الوصي عليّ (عليه السلام) ؟
وأمّا القول بفوات أوان الحديث عن تلك الوصية ؛ إذ قد مضى التاريخ بكل ما فيه عليها ، ولم يعد بالإمكان إعادتها إلى واقع الحياة ، ولا إعطاء صاحب الوصية حقّه وهوفي جوار ربّه. وانها قضية قد انتهت ، ولا معنى لاثارتها من جديد بما تتركه حساسيتها من تأثيرات سلبية علىٰ واقع المسلمين !! فهوخطأ عظيم ؛ لأن بحث الوصية لا يعني حصرها بإطارها التاريخي ، بل المقصود تعميمها إلى حياتنا العملية ؛ لأن ارتباطنا بالوصي هو ارتباطنا بالموصي ، والقرآن لم يؤقت زمناً للارتباط بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنما أمر بالتمسّك به في كل آنٍ وزمان ، ومن ثَمَّ فإن تمسّكنا بالوصي لا يعني تمسكنا بالفترة التي عاشها الوصي ، بل يعني ذلك تمسكنا بخط الوصي الذي لا يحده زمان دون آخر ، حيث اقتحم القرون وتجاوز العصور حتىٰ صار مقياساً للصحيح من العقيدة ، وأضحت