الوصية الممنوعة - الزبيدي، علي صادق - الصفحة ٣٦ - ٣ ـ العقل
وحافظ وقيّم ووليّ من بعده (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ مع أنّ رأفة الله سبحانه بعباده ، ورأفة النبي باُمّته لا تقاسان برأفة الفرد إلى أهله وأطفاله [١].
وأيضاً : فإن العقل يحكم بضرورة الوصيّة من النبي بالأولوية القطعية ، وذلك لأنه ( إذا كانت الوصية ثابتة في حطام زائل ، فما بالها تُنفىٰ في خلافة راشدة وشريعة خالدة متكفّلة بصلاح النفوس والنواميس والأموال والأحكام والأخلاق والصالح العام والسلام والوئام ، ومن المسلم قصور الفهم البشري العادي عن غايات تلكم الشؤون ، فلا منتدح والحالة هذه أن يعين الرسول الأمين عن ربّه خليفته من بعده ليقتصّ أثره في اُمّته ) [٢].
وأيضاً : فمن المستحيل أن يكون النبي نفسه سبباً لضلال الأمّة ووقوع الفتنة بينها ، ولا شكّ ان السكوت عن الوصية يسبّب ذلك ؛ لأنّ ترك الناس باهمال الوصية في مستقبل قيادتهم هو دليل على التفريط ومثار للفتنة والتنازع ، وهذا حكم عقلي مسلّم ورد علىٰ لسان بعض الصحابة ، ولا يمكن نسبة التفريط لكل رجل محترم فكيف ينسب إذن إلى أشرف الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟!
روي أن عائشة قالت لبعد الله بن عمر حينما أخبرها بأن أباه في المحتضر : يا بني أبلغ عمر سلامي ، وقل له : لا تدع اُمة محمّد بلا راعٍ ، استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملاً ، فاني أخشىٰ عليهم الفتنة [٣].
وقال عبد الله بن عمر لأبيه : لو استخلفت ؟ قال : من ؟ قال : تجتهد فانك لست لهم بربّ ، أرأيت لو أنك بعثت إلى قيم أرضك ، ألم تكن تحبّ أن يستخلف
[١] حق اليقين / عبد الله شبّر ١ : ٣٨ ـ مطبعة العرفان ـ صيدا ـ ١٣٥٢ ه.
[٢] الغدير / الأميني ٧ : ١٧٢ ـ دار الكتب الإسلامية ـ طهران.
[٣] الإمامة والسياسة / ابن قتيبة ١ : ٢٣ ـ مكتبة مصطفى بابي الحلبي ـ مصر ـ ١٣٨٨ ه.