اختيار مصباح السالكين - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٦٨ - خطبة الكتاب
* ( السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ ) ) * [١] فانّ السماء الدّنيا وإن لم يكن فيها الَّا القمر فانّ سائر الكواكب أيضا زينة لها في الأوهام البشرية التي ورد اكثر الخطاب الشرعىّ بحسبها .
وقوله : ثمّ فتق . . . الى قوله : العلىّ ، اشار الى تسوية السماوات اشارة جميلة فكانّه قدّر اوّلا خلقها كرة واحدة كما عليه بعض المفسّرين ، كقوله تعالى : * ( ( أَولَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ والأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما ) ) * [٢] ثم أشار الى تفصيلها وتمييز بعضها من بعض بالفتق ، واسكان كلّ واحدة منهنّ ملأ من ملائكته ، ثم الى تفصيل الملائكة ومراتبهم موافقة للقرآن الكريم ، والأطوار : الحالات المختلفة والأنواع المتباينة ، وذكر منهم أنواعا وأشار بالسّجود والرّكوع والصّفّ والتّسبيح الى تفاوت مراتبهم في العبادة والخضوع ، لانّ اللَّه تعالى خصّ كلَّا منهم بمرتبة معيّنة من الكمال في العلم ، والقدرة ، ليست لمن دونه ، وكلّ من كانت نعمة اللَّه عليه أكثر كانت عبادته أعلى وطاعته أوفى .
ثمّ إنّ السجود والركوع والصّفّ والتسبيح عبادات متعارفة بين الناس متفاوتة فى استلزام كمال الخضوع والخشوع ، ولا يمكن حملها في حقّ الملائكة على ظواهرها لاختصاص آلاتها ببعض الحيوان ، فتعيّن حملها على غير ظواهرها ، والأشبه حمل المراتب المذكورة وتفاوتها على تفاوت كمالاتهم في الخضوع والخشوع لكبرياء اللَّه تعالى اطلاقا لاسم الملزوم على لازمه .
فالسجود ، مرتبة المقرّبين ، والركوع مرتبة حملة العرش ، والصّافون مرتبة الحافيّن من حول العرش ، قيل : انّهم يقفون صفوفا لاداء العبادة كما حكى القرآن الكريم عنهم : * ( ( وإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ) ) * و * ( ( وإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ) ) * [٣] وجاء في الخبر : انّ حول العرش سبعين ألف صفّ قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم ، رافعين أصواتهم بالتكبير والتهليل ، ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الايمان على الشمائل ما منهم أحد الَّا وهو يسبّح .
والمسبّحون ، يحتمل أن يكون هم الصافّون لما مرّ والواو وإن اقتضت المغايرة الَّا انّهم من حيث انّهم صافّون غيرهم من حيث انّهم مسبّحون ، ويحتمل أن يريد نوعا آخر ، وامّا
[١] سورة فصلت - ١٢
[٢] سورة الانبياء - ٣٠
[٣] سورة الصافات - ١٦٥ ، ١٦٦ .