اختيار مصباح السالكين - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٦٢ - خطبة الكتاب
اخّص من الامكان ويقابله القدم بمعنيين ، اذا عرفت ذلك فاعلم ، انّه عليه السلام نزّهه من هذه القرينة عن الحدوث بالمعنى الاوّل اذ كان تعالى واجب الوجود بذاته ، ودلّ بالكائن على وجوده المجرّد عن الزمان ، وخرج الزمان عن مفهوم كان بالدليل العقلى المانع من لحوق الزمان له ، وكان هنا تامة .
الثامن عشر : كون وجوده لا عن عدم ، وهو اشارة الى تقدّسه عن لحوق الحدوث له بالمعنى الثاني ، وقد استلزم هذان الوصفان اثبات الازلية والقدم بمعنييه له .
التاسع عشر : كونه مع كل شيء لا بمقارنة .
واعلم انّ كونه مع غيره نسبة تعرض له بالقياس الى جميع مخلوقاته ، اذ كلَّها منه ويصدق عليه ذلك بمعنى : انّ ذاته المقدّسة مساوية متصلَّة العلم بكلَّها وجزئها ، لقوله تعالى : * ( ( وهُوَ مَعَكُمْ ) ) * الآية ، لا على وجه المصاحبة في زمان او محلّ او مجاورتها في مكان .
ولما كان مفهوم المقارنة تعتبر فيه الزمان والمكان لا جرم نزّه تلك المعية عنها بقوله : لا بمقارنة .
العشرون : كونه غير كل شيء لا بمزايلة ، ولما كانت المزايلة وهى المفارقة اضافة لا تعقل الَّا بالقياس الى مقارنة وكان في وجوده تعالى وغيريته للأشياء منزّها عن لحوق هاتين الاضافتين لاعتبار الزمان والمكان في مفهوميهما ، لا جرم نفاها عن غيريته للاشياء كما نفى المقارنة عن معيّته لها بل غيريته للاشياء بذاته المقدّسة .
الحادى والعشرون : كونه فاعلا لا بمعنى الحركات والآلة ، اى : لا تدخل الحركة والآلة في فاعليته لكونهما من خواصّ الاجسام المتنزّه قدسه عنها ، ولانّه لو وقف فعله على الآلة لكان بدونها غير مستقلّ فيكون ناقصا بذاته مستكملا بغيره ، وهو محال .
الثاني والعشرون ، كونه بصيرا ، الى قوله : خلقه واراد اثبات البصر [١] له حيث لا مبصر ولما كان تعالى منزّها عن الادراك بآلة البصر ، فمعنى كونه بصيرا كونه عالما
[١] فى هامش النسخة ما لفظه : الفرق بين البصر والباصر ، والعليم والعالم ، والقدير والقادر ، هو أن البصر الذى من شأنه ذلك وان لم يكن هناك ما يبصر اليه ، والباصر هو الذي يدرك بالبصر ما يكون موجودا ، وكذا القول في العليم والعالم والقدير والقادر .