اختيار مصباح السالكين - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٥٦ - خطبة الكتاب
أقول : التصدير بذكر اللَّه تعالى واجب ، لانّه المبدأ الاوّل لجميع الموجودات بالذات فهو المستحق لقدمه في المراتب الأربع من الموجودات . والحمد يرادف الشكر وقد يفيد ما هو اعمّ منه وهو التعظيم المطلق . والمدحة فعلة من المدح ، وهى الهيئة التي للممدوح يكون المدح عليها ، الفصل الأول في جملة من صفات جلاله ونعوت كماله .
وقد اشار الى جملة من صفات جلاله ونعوت كماله .
فالاوّل من صفات جلاله : عدم بلوغ القائلين مدحته ، وهو اشارة الى تنزّهه تعالى عن اطَّلاع العقول البشرية على كنه وصفه ، كما هو أهله لما علمت انّ ذلك انّما يمكن بالاطَّلاع على كنه ذاته تعالى ، ليستلزم ذلك معرفة مالها من صفات الجلال ونعوت الكمال ، ومعرفة الامور كما هى ، انّما يمكن فيما تركب منها ، ولمّا تنزّه قدسه تعالى عن ذلك لا جرم كانت عقول البشر قاصرة عن هذا المقام ، بل كلّ مرتبة وصلت اليها من اطوار الثناء بحسب قوّتها وامكانها ، فورائها اطوار اخر لا تتناهى ، كما قال سيّد المرسلين صلى اللَّه عليه : لا احصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك ، وخصّ القائلين دون المادحين بالذكر ، لكونه أبلغ في التنزيه لانّ القائلين اعمّ من المادحين ، وسلب مدح الاعم مستلزم سلب مدح الاخصّ من غير عكس .
الثاني : عدم احصاء العادّين لنعمائه ، وذلك لكثرتها وعدم تناهيها ، واليه الاشارة بقوله تعالى : * ( ( وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لا تُحْصُوها ) ) * [١] .
الثالث : عدم اداء المجتهدين لحقّه ، وذلك لانّه لمّا ثبت انّ نعمه [٢] لا تحصى لزم من ذلك عدم تمكن المنعم عليه من مجازاتها واداء حقّه فيها ، ولانّ التوفيق لاداء حقّه نعمة اخرى منه ، ولا يمكن جزاء نعمته بنعمته ، واداء حقّه بما يوجب حقا آخر ، وفى الاثر انّ هذا الخاطر خطر لداود عليه السلام فقال : ( يا ربّ كيف اشكرك وانالا - استطيع ان اشكرك الَّا بنعمة ثانية من نعمك ) فاوحى اللَّه تعالى اليه : ( اذا عرفت انّ النعم منّى رضيت منك بذلك شكرا ) .
الرابع : كونه لا يدركه بعد الهمم البعيدة ، والهمّة هى العزم الجازم وبعدها تعلقها
[١] سورة ابراهيم - ٣٤ .
[٢] في نسخة ش : نعمة اللَّه .