اختيار مصباح السالكين - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١١٢ - من كلام له عليه السّلام فى صفة من يتصدى للحكم بين الأمة
تجرّد لاظهار الحق في مقابلة كل باطل سمعه او رآه من الجاهلين وحملهم على مرّ الحق وصعبه في كلّ وقت كان في مظنّة الهلاك بأيديهم وألسنتهم ، وكانّه ايماء الى نفسه في معرض الاعتذار في مقابلة معاوية وغيره على باطلهم ، وجهل المرء بقدره ومرتبته من النّاس جهل فاحش لاستلزامه رذائل صعبة كالعجب والكبر ونحوهما من المهلكات .
وقوله : لا يهلك ، الى قوله : قوم : فالسنخ الاصل وذلك لانّ التّقوى كالارض الحرّة لا يهلك ما غرس من اصل ، وكالماء العذب ما يظمأ عليه ما زرع وهو ترغيب فيها لغاية ما يثمره من الخير الاخروى ، وامرهم بالاستتار ببيوتهم اى : لزومها قطعا لمادة الفتنة من الاجتماع للمنافرات والمفاخرات ، ونبّههم على الرجوع الى التّوبة وانّها مقبولة منهم وكونها وراء لهم باعتبار رجوع العاصى اليها عمّا هو متوجّه بقلبه اليه من المعصية . وقيل : وراء بمعنى : امام والاوّل اشبه .
١٦ - ومن كلام له عليه السّلام فى صفة من يتصدى للحكم بين الأمة وليس لذلك بأهل إنّ أبغض الخلائق إلى اللَّه رجلان : رجل وكله اللَّه إلى نفسه فهو جائر عن قصد السّبيل ، مشغوف بكلام بدعة ، ودعاء ضلالة ، فهو فتنة لمن افتتن به ، ضال عن هدى من كان قبله ، مضلّ لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته ، حمّال خطايا غيره ، رهن بخطيئته . ورجل قمش جهلا موضع في جهّال الأمّة عاد في أغباش الفتنة ، عم بما في عقد الهدنة قد سمّاه أشباه النّاس عالما وليس به ، بكَّر فاستكثر من جمع ما قلّ منه خير ممّا كثر ، حتّى إذا ارتوى من آجن ، واكتنز من غير طائل ، جلس بين النّاس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره ، فإن نزلت به إحدى المبهمات هيّأ لها حشوا رثّا من رأيه ، ثمّ قطع به ، فهو من لبس الشّبهات في مثل نسج العنكبوت : لا يدرى أصاب أم أخطأ : فإن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب ، جاهل خبّاط جهالات عاش ركَّاب عشوات لم يعضّ على العلم بضرس قاطع يذرى الرّوايات إذراء الرّيح الهشيم لا مليء واللَّه بإصدار ما ورد عليه ، ولا هو أهل لما فوّض إليه لا يحسب العلم