القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٣٩ - الفصل الثاني كيفية تولد الأخلاط
العرق المسمى باب الكبد ونفذ في الكبد في أجزاء وفروع للباب داخلة متصغرة مضائلة كالشعر ملاقية لفوهات أجزاء أصول العرق الطالع من حدبة الكبد. وإن تنفذه في تلك المضايق فينا الأفضل مزاج من الماء مشروب فوق المحتاج إليه للبدن، فإذا تفرق في ليف هذه العروق صار كأن الكبد بكليتها ملاقية لكلية هذا الكيلوس، وكان لذلك فعلها فيه أشد وأسرع، وحينئذ ينطبخ وفى كل انطباخ لمثله شيء كالرغوة وشيء كالرسوب. وربما كان معهما إما شيء هو إلى الاحتراق إن أفرط الطبخ، أو شيء كالفج إن قصر الطبخ فالرغوة هي الصفراء، والرسوب هي السوداء، و هما طبيعيان. والمحترق لطيفه صفراء رديئة، وكثيفه سوداء رديئة، غير طبيعيين. والفج هو البلغم. وأما الشيء المتصفي من هذه الجملة نضيجاً فهو الدم إلا أنه بعد ما دام في الكبد يكون أرق مما ينبغي لفضل المائية المحتاج إليها للعلة المذكورة ولكن هذا الشيء الذي هو الدم إذا انفصل عن الكبد، فكما ينفصل عنه يتصفى أيضاً عن المائية الفضلية التي إنما احتيج إليها لسبب وقد ارتفع فتنجذب هي عنه في عرق نازل إلى الكليتين، ويحمل مع نفسه من الدم ما يكون بكميته وكيفيته صالحاً لغذاء الكليتين، فيغذو الكليتين الدسومة والدموية من تلك المائية، ويندفع باقيها إلى المثانة والى الإحليل.
وأما الدم الحسن القوام فيندفع في العرق الطالع من حدبة الكبد ويسلك في الأوردة المتشعبة منه، ثم في جداول الأوردة، ثم في سواقي الجداول، ثم في رواضع السواقي، ثم في العروق الليفية الشعرية، ثم يرشح من فوهاتها في الأعضاء بتقدير العزيز العليم. فسبب الدم الفاعلي هو حرارة معتدلة، وسببه المادي هو المعتدل من الأغذية والأشربة الفاضلة، وسببه الصوري النضج الفاضل، وسببه التمامي تغذية البدن. والصفراء سببها الفاعلي، أما الطبيعي منها الذي هو رغوة الدم فحرارة معتدلة، وأما للمحترقة منها فالحرارة النارية المفرطة، وخصوصاً في الكبد، وسببها المادي هو اللطيف الحار والحلو الدسم. والحريف من الأغذية، وسببها الصوري مجاوزة النضج إلى الإفراط، وسببها التمامي الضرورة والمنفعة المذكورتان. والبلغم سببه الفاعلي حرارة مقصرة، وسببه المادّي الغليظ الرطب اللزج البارد من الأغذية. وسببه الصوري قصور النضج، وسببه التمامي ضرورته ومنفعته المذكورتان. والسوداء سببها الفاعلي. أما الرسوبي منها فحرارة معتدلة. وأما المحترق منها فحرارة مجاوزة للاعتدال وسبهها المادي الشديد الغلظ القليل الرطوبة من الأغذية، والحار منها قوي في ذلك وسببها الصوري الثفل المترسب على أحد الوجهين فلا يسيل أو لا يتحلل، وسببها التمامي ضرورتها ومنفعتها المذكورتان. والسوداء تكثر لحرارة الكبد أو لضعف الطحال، أو لشدة برد مجمد، أو لدوام احتقان، أو لأمراض كثرت وطالت فرمدت الأخلاط. وإذا كثرت السوداء ووقفت بين المعدة والكبد قل معها تولد الدم والأخلاط الجيدة فقلّ الدم. ويجب أن تعلم أن الحرارة والبرودة سببان لتولد الأخلاط مع سائر الأسباب، لكن الحرارة المعتدلة يولّد الدم، والمفرطة تولد الصفراء، والمفرطة جدًّا تولد السوداء بفرط الاحتراق، والبرودة تولد البلغم، والمفرطة جدًا