القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٣٠٩ - المقالة الخامسة فى أحكام تعرض للأدوية من خارج
الأجرام، فلا ترسل قواها في الطبخ إلا بفضل تعنيف عليها بالطبخ، مثل أصل الكبر والزراوند والزرنباد وما أشبه ذلك.
ومنها أدوية معتدلة يكفيها الطبخ المعتدل، فإن عنف بها تحللت قواها وتصعَدت، مثل الأدوية المدرة للبول، ومثل أسطو خودوس وما أشبهه.
ومنها أدوية لا تبلغ بطبخها الطبخ المعتدل، بل أدنى الطبخ يكفيها، فإذا زيد على إغلاءة واحدة تحلّلت قوتها وفارقت بالطبخ ولم يبق لها أثر، مثل الأفتيمون، فإنه إذا أجيد طبخه بطلت قوّته.
ومن الأدوية ما يبطل السحق قوته أصلًا، مثل السقمونيا، فيجب أن يسحق بغاية الرفق لئلا ينالها من السحق حرارة مفسدة لقوتها. والصموغ أكثرها بهذه الصفة وتحليلها في الرطوبة أوفق من سحقها، وجميع الأدوية التي يفرط في سحقها، فإن أفعالها تبطل، فإنه ليس كلما صغر الجرم حفظ قوته بقدره وعلى نسبة صغره، بل يجوز أن يبلغ النقصان بالجسم إلى حد لا يفعل الجسم بعده من فعله الذي يخصّه شيئاً، فإنه ليس إذا كان قوّة جسم تحرك حركة ماء، يجب أن يكون نصف ذلك الجسم يحرّك ذلك المتحرّك عنه شيئاً أصلًا، مثل عشرة أنفس ينقلون حملًا في يوم واحد فرسخاً، فليس يجب أن يكون الخمسة ينقلونه شيئاً، فضلًا عن أن ينقلونه نصف فرسخ، ولا أيضاً أن يكون نصف ذلك الحل قد أفرد حتى تناله الخمسة مفردة، فيقدرون على نقلها، بل يمكن أن يكون القابل للنقل لا ينفعل عن نصف القوة أصلًا، إذ هو الجملة، والنصف منها غير قابل من نصفها ما يقبله في حالة الإنفراد، لأنه متّصل بالنصف الآخر غير معدّ لتحريكه فيه مفرداً، ولذلك ليس كلما صغر جرم الدواء وقلت قوته تجده منفعلًا في الصغر مثله، ولا أيضاً يجب أن يكون هو بقدر نسبة صغره يفعل في المنفعل عن الأكبر فعلًا البتة. على أن قوماً يرون أن التصغير يبطل الصورة والقوة، وقولهم في المركّبات أقرب إلى أن لا يشتدّ استكثاره. والأدوية إذا كان لها فعل مّا أفرط في سحقها، أمكن أن تنتقل إلى نوع آخر من الفعل، فإن كانت مثلًا تقوى على استفراغ خلط أو ثفل يعجز عن ذلك فيصير مستفرغاً للمائية لسقوط قوّتها لصغرها تصير أنفذ، فيحصل بسرعة في عضو غير الذي يقف فيه إذا كان كثيراً، فيصدر فعله عنه فيه، كما حكى جالينوس: أنه اتفق أن أفرط في سحق أخلاط الكموني فإنقلب مدراً للبول بعد ما هو في طبيعته مطلق للطبيعة، فيجب أن لا يبالغ في سحق الأدوية اللطيفة الجواهر، بل إنما يجب أن يبالغ في سحق الأدوية الكثيفة الجواهر، وخصوصاً إذا أريد تنفيذها إلى غاية بعيدة وكانت كثيفة ثقيلة الحركة، مثل أدوية الرئة إذا كانت معمولة من البُسْد واللؤلؤ المرجان والشاذنج وما أشبهها.
وأما أحكام الإحراق: فإن من الأدوية ما يحرق لينقص من قوّته، ومنها ما يحرق ليزاد في قوته. وجميع الأدوية الحادة اللطيفة الجواهر، أو معتدلتها، فإنها إذا أحرقت انتقص من حرها