القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٦٥ - الفصل العشرون فى الفصد
كان المرض ذا بحرانات في مدّته طول ما، فليس يجوز أن يستفرغ دماً كثيراً أصلًا، بل إن أمكن أن يسكن فعل، وإن لم يمكن فصد وأخرج دماً قليلًا، وخلف في البدن عدة دم لفصدات إن سنحت، ولحفظ القوة في مقاومة البحرانات، وإذا اشتكى في الشتاء بعيد العهد بالفصد تكسيراً، فليفصد وليخلف دماً للعدة. والفصد يجذبه إلى الخلاف تحبس الطبيعة كثيراً، وإذا ضعفت القوة من الفصد الكثير، تولدت أخلاط كثيرة والغشي يعرض في أول الفصد لمفاجأة غير المعتاد وتقدم القيء، مما يمنعه وكذلك القيء وقت وقوعه.
واعلم أن الفصد مثير إلى أن يسكن، والفصد والقولنج قلما يجتمعان، والحبلى والطامث لا تفصدان إلا لضرورة عظيمة، مثل الحاجة إلى حبس نفث الدم القوي إن كانت القوة متواتية، والأولى والأوجب أن لا تفصد بتة إذ يموت الجنين. ويجب أن تعلم أنه ليس كلما ظهرت علامات الامتلاء المذكورة وجب الفصد، بل ربما كان الامتلاء من أخلاط نيئة وكان الفصد ضاراً جداً، فإنك إن فصدت لم ينضج وخيف أن يهلك العليل وأما من يغلب عليه السوداء، فلا بأس بأن يفصد إذا لم يستفرغ بالإسهال بعد مراعاة حال اللون على الشرط الذي سنذكره واعتبار التمدد، فإن فشو التمدّد في البدن يفيد الحدس وحده بوجوب الفصد. وأما من يكون دمِه المحمود قليلًا وفي بدنه أخلاط رديئة كثيرة، فإن الفصد يسلبه الطيب ويختلف فيه الرديء، ومن كان دمه رديئاً وقليلًا، أو كان مائلًا إلى عضو يعظم ضرر ميله إليه، ولم يكن بد من فصد، فيجب أن يؤخذ دمه قليلًا ثم يغذى بغذاء محمود، ثم يفصد كرة أخرى، ثم يفصد في أيام ليخرج عنه الدم الرديء، ويخلف الجيّد، فإن كانت الأخلاط الرديئة فيه مرارية، احتيل في استفراغها أولًا بالاسهال اللطيف، أو القيء أو تسكينها، واجتهد في تسكين المريض وتوديعه. وإن كانت غليظة، فقد كان القدماء يكلفونهم الاستحمام والمشي في حوائجهم، وربما سقوهم قبل الفصد وبعده قبل التثنية السكنجبين الملطف المطبوخ بالزوفا والحاشا.
وإذا اضطر إلى فصد مع ضعف قوة لحمى، أو لأخلاط أخرى ردية، فليفرق الفصد كما قلنا.
والفصد الضيّق أحفظ للقوة، لكنه ربما أسال اللطيف الصافي وحبس الكثيف الكدر. وأما الواسع، فهو أسرع إلى الغشي وأعمل في التنقية وأبطأ اندمالًا، وهو أولى لمن يفصد للاستظهار وفي السمَان بل التوسيع في الشتاء أولى لئلا يجمد الدم. والتضييق في الصيف أولى إن احتيج إليه، وليفصد المفصود وهو مستلق، فإن ذلك أحرى أن يحفظ قوّته ولا يجلب إليه الغشي. وأما في الحمّيات فيجب، أن يجتنب الفصد في الحميات الشديدة الالتهاب، وجميع الحميات غير الحادة في ابتدائها وفي أيام الدور، ويقلل الفصد في الحميات التي يصحبها تشتج.
وإن كانت الحاجة إلى الفصد واقعة لأن التشنج إذا عرض أسهر وأعرق عرقاً كثيراً وأسقط القوة، فيجب أن يبقى لذلك عدة دم، وكذلك من فصد محموماً ليس حده عن عفن، فيجب أن