القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٤٥ - الفصل الأول كلام كلي في العلاج
عنه الفضل بدواء لطيف معتدل، ومنه ما ليس كذلك، فيحتاج إلى دواء قوي، وكذلك بعضها متخلخل، وبعضها متكاثف. والمتخلخل يكفيه الدواء اللطيف، والكثيف يحتاج إلى الدواء القوي، فأكثر الأعضاء حاجة إلى الدواء القوي ما ليس له تجويف، ولا من أحد الجانبين، ولا فضاء له، ثم الذي له ذلك من جانب واحد، ثم الذي له فضاء من الجانبين لكنه ملزز كثيف كالكلية، ثم الذي له تجويف من الجانبين وهو سخيف كالرئة. وأما من وضع العضو، والوضع يقتضي كما تعلم، إما موضعاً، وإما مشاركة، والانتفاع به من علم المشاركة أخصه باختيارك جهة جذب الدواء وإمالته إليه، مثاله إنه إذا كانت المادة في حدبة الكبد استفرغناها بالبول، وإن كانت في تقعير الكبد استفرغناها بالإسهال، لأن حدبة الكبد مشاركة لأعضاء البول، وتقعيرها مشارك للأمعاء. وأما الانتفاع به من جهة علم الموضع فمن وجوه ثلاثة:.
أحدها: بعده وقربه، فإن كان قريباً مثل المعدة وصلت إليه الأدوية المعتدلة في أدنى زمان، وفعلت فيه وقوتها باقية، وان كان بعيداً كالرئة، فإن الأدوية المعتدلة نفسها قواها قبل الوصول إليه، فيحتاج أن يزاد في قواها. فالعضو القريب الذي يلقاه الدواء، يجب أن يكون قوة الدواء له بالقدر المقابل للعلة، وإن كان بينهما بعد وبون، وهو داء يحتاج لدواء في أن ينفذ إليه إلى قوة غائصة، فيحتاج أن تكون قوة الدواء أكثر من المحتاج إليه مثل الحال في أضمدة عرق النسى وغيره. والوجه الثاني، أن يعرف ما الذي ينبغي أن يخلط بالأدوية ليسرع إيصالها إلى العضو، كما يخلط بأدوية أعضاء البول المدرات وبأدوية القلب الزعفران. والوجه الثالث، أن يعرف جهة إتصال الدواء إليه مثلًا أنا إذا عرفنا أنَ القرحة في الأمعاء السفلى أوصلناه بالحقنة، أو حدسنا بأنها في الأمعاء العليا أوصلناه بالشراب. وقد ينتفع بمراعاة الموضع والمشاركة معاً، وذلك فيما ينبغي أن يفعله والمادة منصبة بتمامها إلى العضو، وما ينبغي أن يفعله والمادة بعد في الانصباب حتى إن كانت في الانصباب بعد جذبناها من موضعها بعد مراعاة شرائط أربع: إحداها: مخالفة الجهة كما يجذب من اليمين إلى اليسار ومن فوق إلى أسفل. والثانية: مراعاة المشاركة كما يحبس الطمث يوضع المحاجم على الثديين جذباً إلى الشريك. والثالثة: مراعاة المحاذاة كما يفصد في علل الكبد الباسليق الأيمن وفي علل الطحال الباسليق الأيسر. والرابعة: مراعاة التبعيد في ذلك لئلا يكون المجذوب إليه قريباً جداً من المجذوب منه، وأما إن كانت المادة منصبّة فينتفع بالأمرين من جهة أنا إما أن نأخذها من العضو نفسه، أو ننقلها إلى العضو القريب المشارك ونخرجها منه، كما يفصد الصافن في علل الرحم، والعرق الذي تحت اللسان في علاج ورم اللوزتين. ومتى أردت أن تجذب إلى الخلاف، فسكن أولًا وجع العضو المجذوب عنه وأن تنظر حتى لا يكون المجاز على رئيس. وأما الانتفاع من جهة قوة العضو فمن طرق ثلاثة: إحداها: مراعاة الرياسة والمبدئية، فإنا لا نخاطر على الأعضاء الرئيسة بالأدوية القوية ما أمكن، فيكون قد عممنا البدن بالضرر، ولذلك لا نستفرغ من الدماغ والكبد ما يحتاج أن نستفرغه منهما دفعة واحدة، ولا نبرّدهما تبريداً شديد البتة، وإذا ضمدنا الكبد بأدوية