القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢١٦ - الفصل السابع فى تدبير المأكول
ومن الناس من يضره بعض الأطعمة الجيدة المحمودة فليهجره ومن استمرأ الأغذية الرديئة فلا يغتر بذلك فإنه سيتولد منه على الأيام أخلاط رديئة ممرضة قتالة.
وكثيراً مايرخض لمن في بدنه أخلاط رديئة أن يتوسع في الأكل المحمود وخصوصاً إذا لم يحتمل الإسهال لضعفه.
ومن كان متخلخل البدن سهل التحلل وجب أن يغتذي بالرطب السريع الانهضام على أن الأبدان المتخلخلة أشد احتمالًا للأطعمة الغليظة والمختلفة وأبعد من أن يضرها الأسباب الخارجة.
ومن كان متكثراً من اللحوم مترفهاً فليتعهد الفصد فإن كان يميل إلى برد من المزاج فعليه بالجوارشنات والإطريفلات وما من شأنه أن ينقي المعدة والأمعاء والجداول القريبة منها، وشر الأشياء جمع أغذية مختلفة معاً وبعد تطويل الأكل مدة الأكل فيلحق الغذاء الآخر وقد أخذ الأول في الانهضام فلا تتشابه أجزاء الغذاء في الانهضام ويجب أن تعلم أن أوفق الغذاء ألذه لشدة اشتمال المعدة والقوة القابضة عليه إذا كان صالح الجوهر وكانت الأعضاء الرئيسية كلها متصادقة سالمة فهذا هو الشرط فإن لم تصح الأمزجة أو تخالفت الأعضاء في أمزجتها وكانت الكبد مخالفة للمعدة مخالفة فوق الطبيعي، لم يلتفت إلى ذلك.
ومن مضار الطعام اللذيذ جداً أنه يمكن الاستكثار منه، وإن أوفق المرات للأكل المشبع أن يأكل يوماً وجبة ويوماً مرتين بكرة وعشية. ويجب أن تراعى العادة في ذلك مراعاة شديدة فإن من اعتاد مرتين وجب ضعف ووهنت قوته، بل يجب إن كان به ضعف هضم أن يتناول مرتين ويقلل الأكل كل مرة، ومن اعتاد الوجبة فثنى، عرض له ضعف وكسل واسترخاء. فإن وقف الغذاء عليه ضعف في مبيته وإن تعشى لم يستمر وعرض جشاء حامض، وخبث نفس، وغثيان، ومرارة فم، ولين بطن، لإيراده على المعدة ما لم تألفه وعرض ما يعرض لمن لم يجد هضم غذائه مما ستعرفه من العوارض. ومما يعرض له جبن وجزع ووجع في فم المعدة ولذع، ويظن أن أمعاءه واْحشاءه معلقة لخلو المعدة وانقباضها إلى نفسها وتقلصها، ويبول بولًا محرقاً ويبرز إبرازاً محترقاً، وربما عرض له برد الأطراف بانصباب المرارة إلى المعدة. وهذا في مراري الأمزجة أكثر، وكذلك في مراري المعدة دون البدن، ويفسد نومه ويكون متململًا. والأبدان التي تجتمع في معدها مرار كثيرة تحتاج إلى تناول مفرق وإلى سرعة تَغذٍ وإلى تمًديمه قبل الاستحمام.
وأما غيرهم فيجب أن يرتاضوا ويستحموا ثم يأكلوا، ولا يقدموا الأكل على الاستحمام. ومن احتاج إلى أكل مقدم على الرياضة، فليأكل من الخبز وحده قدراً يأخذ منه الهضم قبل شروعه في حركته. وكما أن الحركة قبل الطعام يجب أن لا تكون ضعيفة كذلك الحركة بعده يجب أن لا تكون إلا رقيقة لينة. ولامصلح للشهوة الفاسدة المائلة إلى الحريفة العائفة للحلو والدسم من القيء بمثل السكنجبين والفجل على السمك.