القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٤٨ - الفصل الثاني فى معالجات أمراض سوء المزاج
عليك شيء من الأمراض سببه حر أو برد وأردت أن تجرب، فلا تجربن بمفرط، وانظر كي لا يغرك التأثير الذي بالعرض.
واعلم أن التبريد والتسخين مدتهما سواء، لكن الخطر في التبريد أكثر، لأن الحرارة صديقة الطبيعة، وأنّ الخطر في الترطيب والتيبيس سواء، لكن مدة الترطيب أطول والرطوبة واليبوسة، كل واحدة منهما يحفظ بتقوية أسبابها، وتبذل بتقوية أسباب ضدها. والحرارة تقوى بالأسباب التي فرغنا من ذكرها، ثم بالمنعشات وهي نفض الثفل والامتلاء وتفتيح السدد، ثم بما يحفظها وهو الرطوبة المعتدلة. والبرودة تقوى بتقوية أسبابها أوتخنق، الحرارة، وبما يفرط تحليلها وهو اليبوسة بالذات والحرارة بالعرض. والمعالج فرط الحرارة بتفتيح السدد، ينبغي أن يتوقى التبريد المفرط لئلا يزيد في تحجّر السدة، فيزيد في سوء المزاج الحار، بل ينبغي أن يترفق، فيعالج أولًا مما يجلو، فإن كفى جال مبرد كماء الشعير وماء الهندبا فبها ونعمت، وإن لم يقنع ذلك، فبما يكون معتدلًا، فإن لم يقنع، فبما فيه حرارة لطيفة، ولا يبالي من ذلك، فإن نفع تفتيحه في التبريد أكثر من ضرر تسخينه السهل التطفئة بعد التفتيح، وربما منع فرط التطفئة من نضج الأخلاط الحادة. وإن كان بعض الناس مصرًّا على إبطال هذا الرأي، وليس يدري أنّ التطفئة القوية تسقط القوة ولا سيما التي ضعفت بالمرض، وإن كانت تصلح من المادة فضل إصلاح، فإنها قد تعقب أمراضاً أخرى، إما من سوء مزاج بارد مفرد، وأما مع مواد مضادة للمواد التي أصلحها. وأما تسخين المزاج البارد فكأنه صعب إذا كان قد استحكم، وغاية من السهولة في الابتداء. وبالجملة، فإن تسخين البارد في ابتداء الأمر أسهل من تبريد التسخين في الابتداء، لكن تبريد التسخين في الانتهاء وإن كان صعباً أسهل من تسخين البارد في الانتهاء، لأن البرودة البالغة هي موت من الغريزة أو مساوقة له. واعلم أن التبريد قد يقارن التيبيس وقد يقارن الترطيب وقد يخلو منهما. والتيبيس أشدّ إثباتاً للبرودة التي قد حدثت. والترطيب أشد جلباً للبرودة المستحدثة. وقد يعين في التيبيس جميع أسباب الحرارة إذا أفرطت، ويعين في الترطيب جميع أسباب البرودة إذا أفرطت، ولا يبلغ فيه شيء مبلغ الدعة والاستحمام الدائم الخفيف والأبزن، وقد فرغنا من هذا فيما سلف. وشرب الممزوج قوي في الترطيب.
واعلم أن الشيخ إذا احتاج إلى تبريد وترطيب، فإنه لا يكفيه من ذلك ما يرقه إلى الاعتدال، بل ما يجاوز ذلك إلى مزاجه البارد الرطب الذي وقع له، فإنه وان كان عرضياً فهو له كالطبيعي. ويجب أن تعلم أنه كثيراً ما يحوج في تبديل مزاج ما إلى أن تستعمل ما يقوي ذلك المزاج مخلوطاً بما يضافه مثل ما يحوج إلى استعمال الخل مع الأدوية المسخنة لعضو ما حتى تعوض قوّتها ومثل ما يحوج إلى استعمال الزعفران في الأدوية المبردة للقلب ليوصلها إليه، وكثيراً ما يكون الدواء قوي التأثير في تغيير المزاج، إلا أنه يلطفه لا يلبث ريث ما يفعل فعله فيحتاج أن يخلط به شياً يكثفه ويحبسه، وإن كان موجباً لضد فعله مثل ما يخلط بدهن البلسان الشمع وغيره ليحبسه على العضو مدة يفعل فيها فعله.