القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٢١ - الفصل الثامن فى تدبير الماء والشراب
إذا جمع بين الصبر والنوم، وإذا أطفئت الطبيعة المنضجة بالشرب طاعة له عود العطش لإقامة الخلط المعطش ويجب خصوصاً على صاحب العطش الكاذب أن لا يعب الماء عباً، بل يمص منه مصاً. وشرب البارد جداً رديء، وءان كان لا بد منه فبعد طعام كاف والماء الفاتر يغثي، والمسخن فوق ذلك إذا استكثر منه أوهن المعدة، وإذا شرب في الأحيان غسل المعدة، وأطلق الطبيعة.
وأما الشراب فالأبيض الرقيق أوفق للمحرورين ولا يصدع بل ربما رطب، فيخفف الصداع الكائن من التهاب المعدة ويقوم المروق بالعسل والخبز مقامه، خصوصاً إذا مزج قبل الشرب بساعتين. وأما الشراب الغليظ الحلو فهو أوفق لمن يريد السمن والقوة، وليكن من تسديده على حذر، والعتيق الأحمر أوفق لصاحب المزاج البارد البلغمي، وتناول الشراب على كل طعام من الأطعمة رديء على ما فزعنا من إعطاء علة ذلك، فلا يشربن إلا بعد انهضامه وانحداره.
وأما الطعام الرديء الكيموس فشرب الشراب عليه وقت تناوله وبعد انهضامه رديء لأنه ينفذ الكيموس الرديء إلى أقاصي البدن وكذلك على الفواكه، وخصوصاً البطيخ والابتداء بالصغار من الأقداح أولى من الكبار، ولكن إن شرب على الطعام قدحين أو ثلاثة كان غير ضار للمعتاد، وكذلك عقيب الفصد للصحيح.
والشراب ينفع الممرورين بإدرار المرة والمرطوبين بإنضاج الرطوية وكلما زادت عطريته وزاد طيبه وطاب طعمه فهو أوفق، والشراب نعم المنفذ للغذاء قي جميع البدن وهو يقطع البلغم ويحلله ويخرج الصفراء في البول وغيره، ويزلق السوداء فيخرج بسهولة ويقمع عاديتها بالمضادة ويحل كل منعقد من غير تسخين كثير غريب. وسنذكر أصنافه قي موضعه، ومن كان قوي الدماغ لم يسكر بسرعة ولم يقبل دماغه الأبخرة المتراقية الرديئة ولم يصل إليه من الشراب إلا حرارته الملائْمة فيصفو ذهنه ما لا يصفو بمثله أذهان آخرى ومن كان بالخلاف كان بالخلاف، ومن كان في صدره وهن يضيق في الشتاء نفسه، فلا يقدر أن يستكثر من الشراب شيئاً، ومن أراد أن يسكتثر من الشراب، فلا يمتلئن من الطعام، وليجعل في طعامه ما يدر فإن عرض امتلاء من طعام وشراب، فليقف وليشرب ماء العسل ثم يقذف أيضاً ثم يغسل فمه بخل وعسل، ووجهه بماء بارد. ومن تأذى من الشراب بسخونة البدن وحمى الكبد، فليجعل غذاءه مثل الحصرمية ونحوها ونقله ماء الرمان وحماض الأترج، ومن تأذى منه في ناحية رأسه قلّل وشرب الممزوج المروق وينقل عليه بمثل السفرجل وإن تأذّى في معدته بحرارتها فليتناول حب الآس المحمص، وليمص شيئاً من أقراص الكافور وما فيه قبض وحموضة وإن كان تأذيه لبرودتها ينقل بالسعد وبالقرنفل وقشر الأترج.
واعلم أن الشراب العتيق في حكم الدواء ليس في حكم الغذاء وإن الشراب الحديث ضار بالكبد ومؤد إلى القيام الكبدي لنفخه وإسهاله.
واعلم أن خير الشراب هو المعتدل بين العتيق والحديث الصافي الأبيض إلى الحمرة