القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢١٩ - الفصل السابع فى تدبير المأكول
واعلم أن الخلط المائي ربما عرض له أن يصير صديداً وذلك إذا لم يتحلل وبقي في العروق، وهؤلاء إفذ استعملوا الرياضات قبل أن تجتمع هذه المائيات بل كما كانوا يتناولون من الفواكه يرتاضون لتحلل تلك المائيات وقل تضررهم بها.
واعلم أيضاً أنه إذا كان في الدم خام أو مائي منع من أن يلتصق بالبدن فيقل وخليق بمن يأكل الفاكهة أن يمشي بعدها ثم ليأكل عليها ليزلق.
والأغذية التي تولد المائية والخلط الغليظ اللزج والمراري فإنها تجلب الحميات لتعفين المائي منها للدم وتسديد اللزج والغليظ منها للمجاري والمرارية، وتسخين المراري منها للبدن وحدة الدم المتولد عنها، والبقول المرارية ربما أكثر نفعها في الشتاء كما أن التفهة ربما أكثر نفعها في الصيف، ومن صار إلى أن ينال من الأغذية الرديئة فليقلل من المرات ولا يتواتر وليخلط بها ما يضادها فإن تأذى بالحلو شرب عليه الحامض من الخل والرمان وسكنجبين الخل والسفرجل ونحوه، وتعهد الاستفراغ ومن تأذى بالحامض تناول عليه العسل والشراب العتيق وذلك قبل النضج والانهضام، وكذلك فليتدارك أذى الدسم بالعفص مثل: الشاهبلوط وحب الآس والخرنوب الشامي والنبق والزعرور، وبالمر مثل الراسن المر وبالمالح والحريف مثل الكواميخ والثوم والبصل وبالعكس، ومن كان بدنه رديء الأخلاط مع رقة وسع عليه في الغذاء المحمود، ومن كان بدنه سهل التحلل غذي بالرطب السريع الانهضام.
قال «جالينوس»: والغذاء الرطب هو المفارق لكل كيفية كأنه نقه فليس بحلو ولا حامض ولا مر ولا حريف ولا قابض ولا مالح والمتخلخل أحمل للغذاء الغليظ من المتكاثف، والاستكثار من الأغذية اليابسة يسقط الشهوة، ويفسد اللون ويجفف الطبع، ومن الدسم يكسل ويذمب الشهوة، ومن البارد يكسل ويفتر ومن الحامض يجلب الهرم وكذلكً من الحريف ومن المالح يضر بالمعدة والمالح يضر بالعين، والغذاء الدسم والموافق إذا تنوول بعده غذاء رديء أفسده، والغذاء اللزج أبطأ انحداراً وكذا الخيار بقشره أسرع انحداراً من المقشر، وكذلك الخبز بالنخالة أسرع انحداراً من المنخول والمتعب إذا لطف تدبيره ثم تناول غليظاً كالأرز بلبن بعد الجوع أحد الدم وأثاره واحتاج إلى قصد وإن كان قريب العهد به وكذلك الغضبان.
واعلم أن الحلو من الغذاء تبتزه الطبيعة قبل النضج والانهضام فيفسد الدم وقد يعرض للأغذية من جهة تأليفها إحكام، وقد قال أصحاب التجارب من أهل الهند وغيرهم أنه لا ينبغي أن يؤكل لبن مع الحموضات ولا سمك مع لبن فإنهما يورثان أمراضاً مزمنة منها الجذام. وقالوا أيضاً لا يؤكل ماش مع الجبن ولا مع لحوم الطير ولا سويق على أرز بلبن ولا يستعمل في المطعومات دهن أو دسم كان في إناء نحاس ولا يؤكل شواء شوي على جمر الخروع. والأطعمة المختلفة تضر من وجهين أحدهما لاختلافها في الهضم واختلاف المنهضم منها وغير المنهضم.