القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٢٠٨ - الفصل الثاني أنواع الرياضة
وحدها استفراغاً مستوفى، بل قد يبقى لا محالة من فضلات كل هضم لطخة وأثر، فإذا تواتر ذلك وتكرر، اجتمع منها شيء له قدر وحصل من اجتماعه مواد فضلية ضارة بالبدن من وجوه. أحدها: أنها إن عفنت أحدثت أمراض العفونة، وإن اشتدت كيفياتها أحدثت سوء المزاج، وإن أكثرت كمياتها أورثت أمراض الامتلاء المذكورة، وإن انصبت إلى عضو أورثت الأورام. وبخاراتها تفسد مزاج جوهر الروح، فيضطر لا محالة إلى استفراغها واستفراغها في أكثر الأمر إنما يتم ويجود إذا كان بأدوية سمية، ولا شك أنها تنهك الغريزة ولو لم تكن سمية أيضاً لكان لا يخلو استعمالها من حمل على الطبيعة، كما قال أبقراط أن الدواء ينقي وينكي ومع ذلك فإنها تستفرغ من الخلط الفاضل، والرطوبات الغريزية، والروح الذى هو جوهر الحياة شيئاً صالحاً، وهذا كله مما يضعف قوة الأعضاء الرئيسة والخادمة فهذه وغيرها مضار الامتلاء ترك على حاله، أو استفرغ ثم الرياضة أمنع سبب لاجتماع مبادىء الامتلاء إذا أصبت في سائر التدبير معها مع إنعاشها الحرارة الغريزية وتعويدها البدن الخفة وذلك لأنها تثير حرارة لطيفة فتحلّل ما اجتمع من فضل كل يوم، وتكون الحركة معينة في إزلاقها وتوجيهها إلى مخارجها فلا يجتمع على مرورة الأيام فضل يعتد به، ومع ذلك فإنها كما قلنا تنمّي الحرارة الغريزية وتصلب المفاصل والأوتار، فيقوى على الأفعال فيأمن الإنفعال، وتعتد الأعضاء لقبول الغذاء بما ينقص منها من الفضل، فتتحرك القوة الجاذبة وتحل العقد عن الأعضاء فتلين الأعضاء وترقّ الرطوبات وتتسع المسام، وكثيراً ما يقع تارك الرياضة في الدق لأن الأعضاء تضعف قواها لتركها الحركة الجالبة إليها الروح الغريزية التي هي آلة حياة كل عضو.
الفصل الثاني أنواع الرياضة
الرياضة منها ماهي رياضة يدعو إليها الاشتغال بعمل من الأعمال الإنسانية، ومنها رياضة خالصة وهي التي تقصد، لأنها رياضة فقط وتتحرّى منها منافع الرياضة ولها فصول: فإن من هذه الرياضة ما هو قليل، ومنها ما هو كثير، ومن هذه الرياضة ما هو قوي شديد، ومنها ما هو ضعيف، ومنها ما هو سريع، ومنها ما هو بطيء، ومنها ما هو حثيث أي مركب من الشدة والسرعة، ومنها ما هو متراخ وبين كل طرفين معتدل موجود.
وأما أنواع الرياضة، فالمنازعة، والمباطشة، والملاكزة، والإحضار، وسرعة المشي، والرمي عن القوس، والزفن، والقفز إلى شيء ليتعلق به، والحجل على إحدى الرجلين، والمثاقفة بالسيف والرمح، وركوب الخيل، والخفق باليدين، وهو أن يقف الإنسان على أطراف قدميه ويدل يديه قداماً وخلفاً ويحركهما بالسرعة، وهي من الرياضة السريعة.
ومن أصناف الرياضة اللطيفة اللينة الترجيح في الأراجيح، والمهود قائماً وقاعداً ومضطجعاً، وركوب الزواريق والسماريات. وأقوى من ذلك ركوب الخيل والجمال والعمَارِيات، وركوب العجل.