القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ١٩٧ - الفصل المفرد فى سبب الصحة والمرض وضرورة الموت
أبداننا معرضة لنوعين من الآفات وكل واحد منهما له سبب من داخل وسبب من خارج. وأحد نوعي الافة، هو تحفل الرطوبة التي منها خلقنا وذا واقع بالتدريج. والثاني تعفّن الرطوبة وفسادها وتغيّرها عن الصلوح لإمداد الحياة، وهذا غير الوجه الأول وإن كان يؤذي تأذية ذلك إلى الجفاف بأن يفسد أولًا الرطوبة، ويخالف هيئة صلوحيتها لأبداننا، ثم اخر الأمر يتحلل عن التعفّن، فإن العفونة تفيد أولًا الرطوبة، ثم تحللها وتذر الشيء اليابس الرمادي. وهاتان الآفتان خارجتان عن الآفات اللاحقة من أسباب أخرى كالبرد المجمد والسموم وأنواع تفرق الاتصال المهلك وسائر الأمراض. ولكنّ النوعين المذكورين أخص تسخيناً، هذا وأحرى أن نعتبرهما في حفظ الصحة وكل واحد منهما يقع من أسباب خارجة ومن أسباب باطنة.
أما الأسباب الخارجة: فمثل الهواء المحلل والمعفّن.
وأما الأسباب الباطنة: فمثل الحرارة الغريزية التي فينا المحلّلة لرطوباتنا والحرارة الغريبة المتولدة فينا عن أغذيتنا وغيرها المتعفنة.
وهذه الأسباب كلها متعاونة على تجفيفنا بل أول أستكمالنا وبلوغنا وتمكننا من أفاعيلنا يكون بجفاف كثير يعرض لنا، ثم يستمر الجفاف إلى أن يتم، وهذا الجفاف الذْي يعرض لنا أمر ضروري لا بد منه، فإنا من أول الأمر ما نكون في غاية الرطوبة ويجب لا محالة أن تكون حرارتنا مستولية عليها، وإلا احتقنت فيها، فهي تفعل فيها لا محالة دائمة وتجففها دائماً، ويكون أول ما يظهر من تجفيفها هو إلى الاعتدال ثم إذا بلغت أبداننا إلى الحد المعتدل من الجفاف والحرارة بحالها، لا يكون التجفيف بقدر التجفيف الأول بل أقوى، لأن المادة أقل فهي أقبل فيؤدي لا محالة إلى أن يزداد التجفيف على المعتدل فلا يزداد لا محالة إلى أن تفنى الرطوبات، فتصير الحرارة الغريزية بالعرض سبباً لإطفاء نفسها إذ صارت سبباً لإفناء مادتها كالسراج الذي يطفأ إذا أفنيت مادته وكلما أخذ التجفيف في الزيادة أخذت الحرارة في النقصان، فعرض دائماً عجز مستمر إلى الإمعان، وعجز عن استبدال الرطوبة بدل ما يتحلل متزايداً دائماً، فيزداد التجفيف من وجهين: أحداهما: لتناقص لحوق المادة، والآخر لتناقص الرطوبة في نفسها بتحليل الحرارة فيزداد ضعف الحرارة لاستيلاء اليبوسة على جوهر الأعضاء ونقصان الرطوبة الغريزية التي هي كالمادة وكالدهن للسراج لأن السراج له رطوبتان ماء ودهن يقوم بأحدهما وينطفىء بالآخر، كذلك الحرارة الغريزية تقوم بالرطوبة الغريزية وتختنق بالغريبة، وازدياد الرطوبة الغريبة التي هي عن ضعف الهضم التي هي كالرطوبة المائية للسراج، فإذا تم الجفاف طفئت الحرارة وكان الموت الطبيعي. وإنما بقي البدن مدة بقائه لا لأن الرطوبة الطبيعية الأولية قاومت تحليل حرارة العالم وحرارة بدنه في غريزته، وما يحدث من حركاته هذه المقاومة المديدة، فإنها أضعف مقاومة من ذلك، لكن إنما أقامها الاستبدال بدل ما يتحلل منها، وهو الغذاء. ثم قد بينا أن الغذاء إنما تتصرّف فيه القوة وتستعمله إلى حد، وصناعة حفظ الحصّة ليست صناعة تضمن