القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ١٢٨ - الفصل الحادي عشر موجبات المساكن
لن يعرض إلا لسبب قوي. ويسرع برء القروح في أبدانهم لقوتهم وجودة دمائهم، ولأنه ليس من خارج سبب يرخّيها ويلينها ولشدة حرارة قلوبهم تكون فيهم أخلاق سبعية. ويعرض لنسائهم أن لايستنقين فضل استنقاء بالطمث فإن طمثهن لايسيل سيلاناً كافياً لتقبض المسالك وعدم ما يسيل ويرخي، فلذلك يكن فيما قالوا عواقر لأن الأرحام فيهن غير نقية. وهذا خلاف ما يشاهد عليه الحال في بلاد الترك بل أقول: إن اشتداد حرارتهن الغريزية يقاوم ما ينقص من فعل الأسباب المسيّلة والمرخية من خارج. قالوا: وقلما يعرض لهن الإسقاط وذلك دليل صحيح على أن القوى في سكان هذا الصقع قوية ويعسر ولادهن لأن أعضاء ولادتهن منضمة منسدة وأكثر ما يسقطن للبرد، وتقل ألبانهن وتغلظ للبرد الحابس من النفوذ والسيلان. وقد يعرض في هذه البلدة وخصوصاً لضعاف القوى مثل النساء كزاز وسل، وخصوصاً للواتي تضعن فإنه يعرض لهن السل والكزاز كثير الشدة تزحرهن لعسر الولادة، فتنصدع العروق التي في نواحي الصدر أو أجزاء من العصب والليف فيعرض من الأول سل ومن الثاني كزاز، ويكون مراق البطن منهن عرضة للانصداع عند شدة العسر. ويعرض للصبيان أدرة الماء ويزول مع الكبر. ويعرض للجواري ماء البطن والأرحام، ويزول مع الكبر. والرمد يعرض لهم في النادر وإذا عرض كان شديداً.
في المساكن الجنوبية.
المساكن الجنوبية، أحكامها أحكام البلاد والفصول الحارة، وأكثر مياهها يكون ملحاً كبريتياً. ورؤوس سكانها تكون ممتلئة مواد رطبة لأن الجنوب يفعل ذلك. وبطونهم دائمة الاختلاف ما لا بد أن يسيل إلى معدهم من رؤوسهم، ويكونون مسترخي الأعضاء ضعافها، وحواسهم ثقيلة وشهواتهم للطعام والشراب ضعيفة أيضا. ويعظم خمارهم من الشراب لضعف رؤوسهم ومعدهم ويعسر برء قروحهم وتترهل وتكثر بها في النساء نزف الحيض ولا يحبلن إلا بعسر ويسقطن في الأكثر لكثرة أمراضهن، لا لسبب آخر ويصيب الرجال اختلاف الدم والبواسير والرمد الرطب السريع التحلل. وأما الكهول فمن جاوز الخمسين فيصيبهم الفالج من نوازلهم، ويصيب عامتهم لسبب امتلاء الرؤوس الربو والتمدّد والصرع، ويصيبهم حميّات يجتمع فيها حر وبرد والحميّات الطويلة الشتوية والليلية، وتقل فيهم الحميات الحارة لكثرة استطلاقاتهم وتحلّل اللطيف من أخلاطهم.
في المساكن المشرقيّة.
المدينة المفتوحة إلى المشرق الموضوعة بحذائه صحيحة جيدة الهواء تطلع عليهم الشمس في أول النهار ويصفو هواؤهم، ثم ينصرف عنهم وقد صفى. وتهب عليهم رياح لطيفة ترسلها إليهم الشمس وتتبعها بنفسها وتتفق حركاتها.
في المساكن المغربية.
المدينة المكشوفة إلى المغرب المستورة عن المشرق لا توافيها الشمس إلى حين، وكما