القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ١١٣ - الفصل الثاني تأثير الهواء المحيط بالأبدان
والأسباب السابقة تنفصل من البادية بأنها بدنية، وأيضاً فإن الأسباب السابقة يكون بينها وبين الحالة واسطة لا محالة. والأسباب البادية ليس يجب فيها ذلك.
والأسباب الواصلة لا يكون بينها وبين الحالة واسطة البتة. والأسباب البادية ليس يجب فيها ذلك، بل الأمر أن فيها ممكنان فالأسباب السابقة هي أسباب بدنية أعني خلطية، أو مزاجية، أو تركيبية، هي الموجبة للحالة إيجاباً غير أولي أعني توجبها بواسطة. والأسباب الواصلة أسباب بدنية توجب أحوالًا بدنية إيجاباً أولياً أي بغير واسطة والأسباب البادية أسباب غير بدنية توجب أحوالًا بدنية إيجاباً أولياً وغير أولي مثال الأسباب السابقة الإمتلاء للحمى، وإمتلاء أوعية العين لنزول الماء فيها. ومثال الأسباب الواصلة العفونة للحمى، والرطوبة السائلة إلى النفث للسدة، والسدة للحمى، ومثال الأسباب البادية حرارة الشمس وشدة الحرارة، أو الغم أو السهر أو تناول شيء مسخن كالثوم. كل ذلك للحمى، أو الضربة للانتشار ونزول الماء في العين. وكل سبب إما سبب بالذات، كالفلفل يسخن والأفيون يبرد، وإما بالعرض كالماء البارد إذا سخن بالتكثيف وتحقن الحرارة، والماء الحار إذا برد بالتحليل، والسقمونيا إذا برد باستفراغ الخلط المسخًن وليس كل سبب يصل إلى البدن يفعل فيه بل قد يحتاج مع ذلك إلى أمور ثلاثة: إلى قوة من قوته الفاعلة، وقوة من قوة البدن الإستعدادية، وتمكن من ملاقاة أحدهما الآخر زماناً في مثله يصدر ذلك الفعل عنه.
وقد تختلف أحوال الأسباب عند موجباتها، فربما كان السبب واحداً واقتضى في أبدان شتى أمراضاً شتى، أو في أوقات شتى أمراضاً شتى، وقد يختلف فعله في الضعيف والقوي وفي شديد الحسّ وضعيف الحس.
ومن الأسباب ما هو مخلِف ومنها ما هو غير مخلِف والمخلِف هو الذي إذا فارق، يبقى تأثيره. وغير المخلِف هو الذي يكون البرء مع مفارقته.
و نقول: إن الأسباب المغيرة لأحوال الأبدان والحافظة لها، إما ضرورية لا يتأتى للإنسان التفصي عنها في حياته، وإما غير ضرورية. والضرورية ستة أجناس: جنس الهواء المحيط وجنس ما يؤكل ويشرب وجنس الحركة والسكون البدنيين وجنس الحركات النفسانية وجنس النوم واليقظة وجنس الاستفراغ والاحتقان فلنشرع أولًا في جنس الهواء.
الفصل الثاني تأثير الهواء المحيط بالأبدان
الهواء عنصر لأبداننا وأرواحنا، ومع أنه عنصر لأبداننا وأرواحنا فهو مددة يصل إلى أرواحنا، ويكون علة إصلاحها لا كالعنصر فقط، لكن كالفاعل أعني المعدل وقد بيّنا ما نعني بالروح فيما سلف، ولسنا نعني به ما تسميه الحكماء النفس. وهذا التعديل الذي يصدر عن الهواء في أرواحنا يتعلق بفعلين هما الترويح والتنقية.