رسائل ابن سينا - ابن سينا - الصفحة ١٥٢ - رسالة فى النفس و بقائها و معادها ابن سينا
و اما ملكة التوسط فالمراد منها التنزيه عن الهيئة الانقيادية و تبعية النفس الناطقة على جملتها مع انشائه هيئة الاستعلاء و التنزه و ذلك غير مضاد لجوهر و لا مايل بها الى جهة البدن بل عن جهة فان المتوسط سلب عنه الطرفان دائما ثم ان النفس انما كان البدن يغمزها و يعقلها و يميلها عن الشوق الذي يخصه عن طلب الكمال البدنى له و عن الشعور بلذة الكمال ان حصل لها اذ الشعور بالم الكمال ان قصر عنها لامانى النفس منطبعة فيه و لكن العلاقة التي كانت بينهما و هو الشوق الجبلى الى تدبير و الاشتغال بآثاره و ما يورده عليها من عوارضه فاذا فارق نفسه ملكة الاتصال به كان قريب الشعبه من حاله و هو فيه فما يتقص من ذلك لا يعقله عن حركة الشوق الذي له الى كماله و مما يبقى منه معه يصده عن الاتصال الصرف يمحل سعادته و يحدث هناك عن الحركات المتشوشة ما يعظم اذاه ثم تلك الهيئة البدنية متضادة لجوهرها موذية لها دائما كان يلهيها عنه ايضا البدن و تمام انغماسه فيه فاذا فارقة احست بتلك المضادة العظيمة و تادت اذى عظيما لكن هذا الاذى و هذا الألم ليس لامر ذاتى بل لامر عارضى غرب و العارض الغرب لا يدوم و لا يبقى و يرول و يبطل مع ترك الافعال الذي كانت تنسب تلك الهيئة يتكررها فيلزم اذن ان يكون العقوبة التي يحسب ذلك غير خالدة بل تزول و تمحى قليلا قليلا حتى تركوا النفس و تلغ السعادة التي تخصها و اما النفوس البلد التي لم تكتسب الشوق فانها اذا فارقت البدن و كانت غير مكتسبة للهيئات الردية صارت الى سعة من رحمة الله تعالى و نوع من الراحة و ان كانت مكتسبة لهيئة البدنية الردية فليس عندها هيئة غير ذلك و لا معنى يضاده و ينافيه فيكون لا محالة شوقها الى مقتضاها فيعذب عذابا شديدا بفقد البدن و متضبات البدن من غير ان يتحصل المشتاق اليه لان آلة الذكر قد بطلت و خلق التعلق بالبدن قد بقا و تشبه ايضا ان يكون ما قاله بعض العلماء حقا و هو ان هذه الا نفس ان كانت زكية و فارقت البدن و قد رسخ فيها نحو من الاعتقاد فى العاقبة التي تكون لا مثال لهم على مثل ما يمكن ان يخاطب به العامة و تصور فى انفسهم ذلك فاذا فارقوا البدن و لم يكن لهم معنى جاذب الى الجهة التي هى فوقهم لا كمال فتسعدوا