شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٩ - (اشارة في أن الجسمية حالة في المحل
من غير حاجة الى بيان ان قوة قبول الشيء هل هو غير المقبول أو نفسه و ثالثها طلب الفرق بين الشيء الذي هو هاهنا مقبول بالفعل و بين هيئة ذلك المقبول و بين صورته فنقول أما الأول فجوابه ان القياس المنتج لهذه القضية ليس مذكورا بالفعل و ان كان مذكورا بالقوة القريبة من الفعل لانه قد ذكر ان الجسم قد يعرض له انفصال و انفكاك اى الجسم قد يحدث فيه الانفصال ثم من البين ان كل ما يحدث فان قوة حدوثه كانت حاصلة قبل حدوثه و ان كل ما كان حاصلا قبل حصول ذلك الشيء فانه مغاير لذلك الشيء و ذلك يقتضى أن يكون قوة قبول الشيء مغايرة لذلك المقبول ثم ان الشيخ منع من هذا القياس بذكر المقدمة الاولى و أهمل ذكر المقدمتين الباقيتين لغاية وضوحهما و أما الثاني فهو ان اثبات المادة لا يمكن الا ببيان ان قوة قبول الشيء غير نفس المقبول لانا اذا قلنا لجسم قد يعرض له انفصال فانا يمكننا اثبات المادة لو أمكننا أن نقول ان ذلك الانفصال لا بد له من محل و ليس محله الاتصال فلا بد من شيء آخر و لكن ذلك غير صحيح لان الانفصال عدم الاتصال عما من شانه أن يتصل و الامور العدمية لا تستدعى محلا ثابتا موجودا فثبت انه لا يمكننا أن نقول الانفصال يستدعى محلا فاما اذا بينا ان قوة قبول الشيء غير نفس المقبول كانت قوة قبول الانفصال مغايرة لنفس الانفصال و هذه القوة أمر ثبوتى و هو من الامور الاضافية فيستدعى لا محالة محلا فاذا بينا ان ذلك المحل ليس هو الاتصال ثبت شيء آخر و هو الهيولى فان قيل أ ليس أن الامكان عندك أمر عدمى فنقول بلى و لكنه عند الشيخ أمر وجودى و انما يجب علينا تفسير كلامه على ما يطابق أصوله لا على ما يطابق أصول غيره و الثالث و هو الفرق بين وجود المقبول و بين هيئته و صورته فنقول الانفصال اذا طرأ فليس المقبول هو الانفصال لانه أمر عدمى بل المقبول بالحقيقة هو الجسميتان الحادثتان عند طريان ذلك الانفصال و لكل واحد من ذينك الجسمين هيئة و صورة أما الهيئة فالشكل المقارن لتلك الجسمية و أما الصورة فالمقدار المقارن لها لان المقدار يجرى بالنسبة الى الجسمية مجرى الصورة و أما قوله فتلك القوة لغير ما هو ذات المتصل بذاته الذي هو عند الانفصال يعدم و يوجد غيره و عند عود الاتصال يعود مثله متجددا فاعلم أن محل امكان الانفصال غير الشيء الذي هو متصل بذاته لان المتصل بذاته يعدم عند الانفصال و يوجد متصلان آخران مثل الماء الواحد اذا جعل ماءين فان تلك الجسمية الواحدة التي كانت موجودة قبل طريان الانفصال فقد بطلت و حدثت جسميتان اخريان ثم اذا ضم أحدهما الى الآخر مرة أخرى حتى يصير جسما واحدا فان الجسميتين الاوليين تبطلان و تحدث جسمية أخرى غير التي زالت عند الانفصال لان اعادة المعدوم محال و اعلم أن لنفاة الهيولى أن يقولوا هذه الهيولى اما أن يكون لها حصول فى الحيز أو لا يكون فان كان لها حصول فى الحيز فاما أن يكون على سبيل الاستقلال أو على سبيل التبعية فان كان على سبيل الاستقلال لكانت الهيولى متحيزة و ذلك محال اما أو لا فلان ملول الجسمية فيها يلزم منه اجتماع المثلين و أما ثانيا فلانه لا يكون أحدهما بالحالية و الآخر بالمحلية أولى من العكس و اما ثالثا فلان تلك الهيولى ان احتاجت الى محل فالكلام فى محلها كالكلام فيها و لزم التسلسل و ان لم تكن بها حاجة الى المحل كانت الجسمية غنية عن المحل و هو المطلوب و أما ان كان على سبيل التبعية فذلك بأن يقال الجسمية تحصل بذاتها فى الحيز و تلك الهيولى تحصل فى ذلك الحيز تبعا لحصول الجسمية فيه و اذا كان حصول الهيولى فى ذلك الحيز تبعا لحصول تلك الجسمية فيه كانت الهيولى صفة حالة فى الجسم و اذا كانت الهيولى صفة حالة فى الجسم استحال كون الجسمية حالا فى الهيولى و أما ان لم تكن الهيولى حاصلة فى الحيز لا على سبيل الاستقلال و لا على سبيل التبعية مع أن الجسمية مختصة بذلك الحيز استحال أن تكون الجسمية حالة فى الهيولى لانا نعلم بالضرورة ان المختص بالجهة بالذات يستحيل أن يكون حاصلا و حالا فيما اختصاص له بتلك الجهة لا بالذات و لا بالتبعية و لو جازت المكابرة فى تجويز ذلك فليجز أن يقال الاجسام باسرها حالة فى ذات البارى تعالى و ان لم يكن له تعالى اختصاص بالجهة لا بالذات و لا بالتبعية فثبت أن القول بحلول
الجسمية فى محل يؤدى الى هذه الاقسام الباطلة فيكون القول به باطلا فهذا آخر الكلام فى هذا الفصل و هذه الحجة بعينها يمكن أن يتمسك بها فى نفى كون المقدار مغايرا للجسمية بان يؤخذ الجسمية مكان الهيولى و المقدار مكان الجسمية ثم تساق الحجة على وجهها