شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٥٢ - إشارة في إثبات القوى المدركة و أحوالها
باطن و جعل المتخيلة فيها و اذا كان كذلك وجب عليهم الاعتراف بكون هذه القوة مدركة و ذلك يبطل قولهم بان القوة الواحدة لا تكون مدركة و متصرفة البحث الثاني انهم جعلوا المتخيلة خادمة للوهمية و لا شك ان اطلاق لفظ الخدمة هاهنا على سبيل المجاز فلا بد من تلخيص معنى هذه الخدمة ثم اقامة الدليل على تصحيحها و ذلك ما لم يفعلوا و أما قوله و الباقية من القوى هى الذاكرة و سلطانها فى حيز الروح الذي فى التجويف الاخير و هو آلتها فاعلم ان معنى هذا الكلام ظاهر و لكن فيه بحث و هو ان حفظ هذه المعانى الى مدركات الوهم مغايرة لاسترجاعها بعد زوالها فان وجب أن يتشكل فعل الى قوة على حدة وجب أن تكون القوة الحافظة غير المسترجعة و هذا شيء ذكره فى القانون و على هذا يكون قوى الباطنة شيئا و ذكر فى آخر الفصل الأول من المقالة الرابعة من الفن السادس من طبيعيات الشفاء و تشبه أن تكون القوة الوهمية هى بعينها المفكرة و المتخيلة و المتذكرة و هى بعينها الحاكمة فتكون بذاتها حاكمة و بحركاتها و بافعالها متخيلة و متذكرة فتكون متخيلة بما يعمل فى الصور و المعانى و متذكرة بما ينتهى اليها عمله و أما الحافظة فهى قوة خزانتها فهذه حكاية ألفاظه و ذلك يدل على اضطرابه فى أمر هذه القوى و أما قوله و انما هدى الناس الى القضية بان هذه هى الآلات لان الفساد اذا اختص بتجويف الى آخره اعلم انه لما حكم باختصاص كل واحد من هذه القوى الخمسة بموضع معين من الدماغ حاول اثبات ذلك من وجهين الأول ان القوة متى اختلفت أحوالها عند اختلال موضع معين من الدماغ فان ذلك يدل على اختصاص تلك القوة بذلك الموضع و اعلم ان هذه الحجة ضعيفة اذ من الجائز أن لا تكون هذه القوى جسمانية أو ان كانت جسمانية لكنها لا تكون حالة فى ذلك الموضع بل فى موضع آخر و ان اختلت أفعالها عند اختلال ذلك الموضع لان ذلك الموضع كان آلة لتلك القوة فاختلاله يكون اختلالا لآلة تلك القوة و ذلك يقتضى اختلال أفعالها كما ان الادراكات العقلية تختل عند اختلال الدماغ و ان لم تكن القوة العاقلة حالة فيه الثاني أن حكمة الصانع اقتضت أن يكون الحس المشترك و الخيال موجودين فى مقدم الدماغ للمناسبة التي بينها و بين الحس الظاهر مع أن الحس الظاهر فى مقدم الوجه و أن يكون الوهم و الحافظة فى وسط الدماغ و مؤخرة لبعدهما عن مناسبة الحس الظاهر و ان تكون المتخيلة التي هى المتولية للتركيب و التفصيل متوسطة بين النوعين حتى اذا شاءت أقبلت على الصورة الخيالية بالتخيل و التركيب و ان شاءت أقبلت على المعانى التي فى الحافظة و التركيب و التخيل و اذا شاءت أقبلت على تركيب الصور المعانى و اعلم أن هذا الكلام خطابى ثم انه غير مستمر أيضا لانه ليس جميع الحواس فى مقدم الرأس فليس بان يجعل الحس المشترك و الخيال فى مقدم الدماغ لكون الابصار و الشم فى مقدم الرأس باولى من أن يجعل فى مؤخر الرأس لان أكثر اللمس من هناك مع أن الحيوان أكثر حاجة اليه منه الى البصر و كذلك السمع هناك و الذوق فى وسط الدماغ و بالجملة فامثال هذه الوجوه غير لائقة بالكتب البرهانية فهذا جملة الكلام فيما أورده الشيخ و لنختم هذا الفصل بحجة قوية على أن النفس هى المدركة بجميع الادراكات بجميع المدركات فنقول ان بديهة العقل حاكمة بان القاضى على الشيئين لا بد و ان يحضره المفضى عليهما و أنتم قد اعترفتم بذلك و عند هذا القول بان الانسان يمكنه أن يحكم بان هذا الملون هو هذا المطعوم و ان هذا المطعوم هو هذا الملموس و القاضى على الشيئين لا بد و أن يحضره المقضى عليهما فاذن لا بد من شيء واحد يكون مدركا لجميع مدركات الحواس الظاهرة ثم نقول إنا تخيلنا صورة انسان بعدان رأيناه فاذا رأيناه نعلم ذلك مرة أخرى حكمنا بان ذلك الخيال كان هو خيال هذا المبصر و القاضى على الشيئين لا بد و أن يحضره المقضى عليهما فاذا لا بد من شيء واحد يكون مبصرا للمرئيين فيكون متخيلا له بعد غيبوبته ليتأتى منه الحكم بان هذا المتخيل هو هذا المحسوس ثم نقول انه يمكننا ان نحكم بوجود عداوة فى شخص معين و بوجود صداقة فى شخص آخر معين و الحاكم بثبوت العداوة الجزئية فى الشخص المعين لا بد و أن يكون مدركا لتلك العداوة و لذلك الشخص فان الحكم بان فيه عداوة يستدعى العلم بذلك الشخص و بتلك العداوة ثم
نقول انه يمكننا تركيب هذه الصور و المعانى بعضها مع بعض و تحليل بعضها عن بعض و ضم الشيء الى الشيء موقوف على الشعور بكل واحد من الشيئين فاذن هاهنا شيء واحد و هو المدرك لكل المحسوسات و هو المتخيل لها بعد غيبتها و هو المدرك لما فيها من العداوة الجزئية و الصداقة الجزئية و هو المتصرف فى هذه الصور و المعانى بالتركيب و التحليل فثبت ان هذه الادراكات التي فرقها على قوى كثيرة هى باسرها لقوة واحدة ثم نقول انه يمكننا أن نحكم على زيد بانه انسان و الحكم على شيء بشيء يستدعى تصور كل واحد منهما فاذا هاهنا شيء واحد هو المدرك للانسان الكلى و الانسان الجزئى و ثبت أيضا ان المدرك للانسان الجزئى هو المدرك لكل هذه المدركات بكل هذه الادراكات فان قيل هذه الحجة انما تدل على ان النفس مدركة للجزئيات و نحن لا ننكر ذلك و لكن نقول ان الصورة الخيالية و المعانى الوهمية لا بد و أن تكون موجودة اذ هى غير موجودة فى الخارج فهى موجودة فى الذهن لكن يستحيل أن تكون مرتسمة فى النفس لان الصور الجسمانية يستحيل انطباعها فى الجوهر فاذا لا بد من