شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٨٠ - (اشارة في أن الجسم مطلقا غير محدد الجهات لا يخلو عن موضع
و يجب أن يكون الشكل الذي يقتضيه البسيط مستديرا و الا لاختلف هيئته فى مادة واحدة عن قوة واحدة)
التفسير انه لما عرف البسيط بأنه الذي طبيعته واحدة و ذكر أن الطبيعة الواحدة لا تقتضى الا أمرا غير مختلف أراد فى هذا الفصل أن يدل على اثبات الطبيعة و أن يتكلم فيما يتفرع على قوله الطبيعة الواحدة لا تقتضى الا أمرا غير مختلف أما البحث الأول فالدليل عليه أن الجسم لو فرض خلوه عن جميع الامور التي لا يجب حصولها له فانه يجب مع ذلك أن يحصل له وضع معين أعنى انه لا بد و أن يكون ذلك الجسم بحيث لو كان هناك جسم آخر لكان لذلك الآخر نسبة بالقرب أو البعد و لا بد له من شكل معين اذ لا بد و أن يكون له حد واحد كما للكرة أو حدود كثيرة كما فى المخروط أو المكعب و اذا ثبت وجوب اختصاص كل جسم شكل معين و وضع معين فنقول اختصاص ذلك الجسم بذلك الشكل و بذلك الوضع اما أن يكون لجسميته أو لما يحل فى جسميته أو لما يكون محلا لجسميته أو لما لا يكون حالا فيها و لا محلا لها و الكلام على هذه الاقسام ما مضى فى النمط الأول فى اثبات الصور النوعية و الشكوك هاهنا هى التي ذكرناها هناك و لا بأس بأن نعيد الشك الذي وعدنا هناك أن فيه زيادة بحث و هو الذي ذكرنا أنه لو كان اختصاص الجسم بالوضع المعين و الشكل المعين لا بد و أن يكون لقوة موجودة فيه و اختصاصه بتلك القوة يجب أن يكون لقوة أخرى و لزم التسلسل و تمام تقريره قد مضى هناك فلئن قالوا الفرق بين الامرين ظاهر لانا ذا رمينا المدرة الى فوق فانها ترجع الى أسفل فعلمنا أن فيها قوة تقتضى الحصول فى السفل حتى انا لما رمينا الى فوق اعادتها تلك القوة الى أسفل و أما اذا قدرنا زوال تلك القوة بمزيل فبعد زول ذلك المزيل لا تعود تلك القوة فعلمنا أر لحصول المدرة فى السفل مبدأ و ليس لذلك المبدأ مبدأ آخر فنقول اما أولا فهذه الحجة مغايرة للتى ذكرتموها و أما ثانيا فلان ثابت بن قوة ذهب الى أن المدرة انما تعود الى السفل لان بينها و بين كلية الارض مشابهة فى كل الاعراض أعنى البرودة و اليبوسة و الكثافة و الشيء ينجذب الى مثله و الاصغر ينجذب الى الاعظم و اعلم أنا متى أبطلنا هذه المقالة استقام مذهب الشيخ و لدليل على فسادها أن انفعال الاصغر أعظم من انفعال الاعظم فجذب كلية الارض للمدرة الصغيرة أعظم من جذبها للحجارة العظيمة و لو كان عود المدرة يجذب كلية الارض اياها لوجب أن يكون الحجر كلما كان أصغر كان أسرع نزولا و فساد التالى يدل على فساد المقدم و لقائل أن يقول الفلك عندكم لا يقتضى وضعا معينا بل الاوضاع باسرها بالنسبة اليه على السواء مع انه يستحيل خلوه عن مطلق الوضع و اذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يقال انه و ان استحال خلوا الجسم عن الوضع و الشكل لكنه لا يجب لشيء من الاجسام شيء من الاحياز و الاشكال المعينة و حينئذ يبطل ما ذكروه و أما البحث الثاني عن الاحكام التي تتفرع على قولنا الطبيعة الواحدة لا تقتضى الا اثر غير مختلف فهى كثيرة الا أن المذكور منها هاهنا ثلاثة الأول أن مكان البسيط واحد و الشيخ لم يذكر دلالة عليه و الذي يقال لو كان له مكانان طبيعيان لكان اذا حصل فى أحدهما وجب أن يستقر