شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٨٦ - (اشارة في بيان أن الجسم القابل للحركة القسرية لا يخلو عن مبدء
لا يقبل حركة قسرية لانا قد بينا فى الفصل السالف ان الميل الطبيعى و مبدأه مانع من وجود الميل القسرى و بينا انه كلما كان الميل الطبيعى أضعف كان الميل القسرى أقوى و كانت الحركة القسرية أسرع فلو قدرنا جسما خاليا عن المدافعة الطبيعية و عن مبدئها كان الميل القسرى الذي يحصل فيه فى غاية القوة فتكون تلك الحركة فى غاية السرعة فاذا عرفت ذلك فنقول تلك الحركة اما أن تقع فى زمان أولا فى زمان و القسمان باطلان فالمقدم باطل و انما قلنا انه يمتنع وقوعها فى زمان لان ذلك الجسم اذا قطع مسافة معينة فى زمان معين فاذا قدنا جسما آخر يكون له ميل طبيعى فلا بدّ و ان يقطع تلك المسافة فى زمان أطول من الأول و يكون لاحد الزمانين نسبة الى الآخر و اذا فرضنا ميلا آخر أضعف من الأول بحيث يكون نسبته اليه نسبة الزمانين الاولين وجب أن يقطع ذو الميل الضعيف تلك المسافة فى مثل الزمان الذي قطعها عديم الميل لانه اذا كان المقتضى لطول الزمان الذي هو عبارة عن بطء الحركة هو شدة الميل الطبيعى و كلما كان الميل الطبيعى أضعف كان البطء أقل و الزمان أقصر فيلزم أن تكون الحركة مع المانع كمالا مع مانع و هذا محال و أما ان وقعت حركة عديم الميل لا فى زمان فهو محال لان كل حركة توجد فلا بدّ و ان يكون على مسافة و كل مسافة منقسمة فتكون الحركة الى نصفها نصف الحركة الى آخرها و يكون أحد النصفين قبل الآخر و كل حركة ففى زمان فثبت فساد هذين القسمين و يلزم من فسادهما فساد خلو الجسم القابل للحركة عن الميل و لقائل أن يقول الحركة من حيث انها حركة اما أن تستدعى زمانا أو لا تستدعيه و الثاني باطل لان الحركة من حيث هى هى لا بد و أن تكون على مسافة منقسمة فيكون نصفها حاصلا قبل حصول كلها فالحركة من حيث هى هى يستحيل خلوها عن الزمان و اذا ثبت ذلك فنقول الجسم الذي فيه ميل طبيعى اذا تحرك بميل قسرى فتلك الحركة القسرية تستدعى قدرا من الزمان من حيث انها حركة و تستدعى قدرا آخر من الزمان بسبب العائق الحاصل فى ذلك الجسم و على هذا التقدير سقطت الحجة لان الجسم الخالى عن الميل لا يكون لحركته من الزمان الا القدر الذي تستحقه الحركة لما هى هى و أما الجسم ذو الميل الضعيف فانه يحصل له مع ذلك الزمان زمان آخر أزيد منه و هو الذي يستحقه بسبب ذلك الميل الضعيف و بالجملة فالمحذور انما يلزم لو جعلنا الزمان كله فى مقابلة العائق فاما لو جعلنا بعض الزمان فى مقابلة أصل الحركة و البعض الآخر فى مقابلة العائق لم يلزم أن تكون الحركة العائق ثم ان سلمنا انه يلزم ذلك لكن لم قلتم انه محال فان المؤثر اذا ضعف جدا جاز أن لا يؤثر أ لا ترى أن نزول القطرة الواحدة من الماء لا يؤثر فى نفر الحجر و ان أثرت القطرات الكبيرة فيه و كذلك سقوط جزء من ألف جزء من خردلة من الحديد لا يؤثر فى الكسر و ان كان سقوط من من الحديد يقتضى الكسر لا يقال القوة الحالة فى الجسم لا بد و ان تنقسم بانقسامه فالذى يخص الجزء الصغير من تلك القوة ان كانت قوية فقد حصل المطلوب و ان لم تكن قوية كان حال حصة كل جزء من الاجزاء الصغيرة التي لذلك الجسم كذلك فعند اجتماع تلك الاجزاء اما أن تحدث قوة أولا تحدث فان لم تحدث لم يكن للجسم الكثير قوة على ذلك الفعل هذا خلف و ان حدثت قوة انقسمت بانقسام المحل و يعود الكلام المذكور لا بالقول نسلم ان لحصة كل جزء من أجزاء ذلك الجسم من تلك القوة قوة و لكنها انما تبقى بشرط اتصال تلك الاجزاء فاما عند الانفصال فليست تساعد على بقاء حصة كل جزء من تلك القوة بل لتلك القوة حد معين فى الصغر اذ انتهت اليه يمتنع بقاؤها بعد الانقسام و على هذا التقدير لا يمكننا القطع بصحة وجود الميل على جميع النسب التي أردنا ثم لئن سلمنا ذلك لكن الحجة التي ذكرتموها كما تقتضى توقف الحركة القسرية على وجود ميل عائق عنها فكذلك تقتضى توقف الحركة الطبيعية على وجود ميل عائق عنها و بيانه ان الحركة