شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٧٢ - (اشارة في بيان أن عاقل فهو معقول
الماهية و لكن لا يلزم من صحة منكم على ماهيته عند كونها ذهنية صحة ذلك الحكم عليها عند كونها خارجية فان الانسان الذهنى حال فى المحل محتاج الى الموضوع و الانسان الخارجى يستحيل أن يكون كذلك و الانسان الخارجى قائم بذاته حساس متحرك بالارادة محسوس بالحواس الخمسة و الانسان الذهنى ليس كذلك فعلمنا أنه ليس كل ما صح على ماهية حال كونها ذهنية وجب أن يصح عليها ذلك حال كونها خارجية فلا يلزم من صحة كون الماهية الذهنية مقارنة للمعقولات صحة كون الماهية الخارجية كذلك ثم لئن وقعت المساعدة على أن الماهية عند وجودها الخارجى يصح عليها المقارنة لكن لم لا يجوز أن يلزمه يمنع عن ذلك كما أن الحيوانية التي فى الانسان لاجل كونها مساوية للحيوانية التي فى الفرس لا بد و أن تكون مستعدة لقبول فصل الفرس الا أن فصله اللازم له فى وجوده و هو الناطق صار مانعا من ذلك فكذلك هاهنا يجوز أن تكون الماهية عند وجودها الخارجى يصح عليها أن يقارنها غيرها الا أنه يلزمها و الحال هذه لازم يمنع عن ذلك لمن يجيب عنه بانا بينا أنه لا مانع من التعقل الا المادة و كلامنا فى المجرد فاذا ليس له مانع من صحة هذه المقارنة و لكنا نعلم ضعف هذا الجواب ثم لئن وقعت المساعدة على أن كل مجرد فانه يصح أن يقارن سائر الماهيات على الاطلاق لكن لم قلتم أنه متى صح ذلك لزم صحة كون ذلك المجرد عالما بما عداه بلى لو ثبت أن العلم و الادراك هو نفس هذه المقارنة لكان المقصود حاصلا و لكن الاشكال ما مضى فهذه جملة الشكوك على هذه الحجة و لنرجع الآن الى شرح المتن أما قوله كل شيء يعقل شيأ فانه يعقل بالقوة القريبة من الفعل أنه يعقله فالمراد منه أن كل من عقل غيره فانه لا يستحيل أن يعقل من نفسه كونه عاقلا لغيره و اعلم أن على لفظ الشيخ استدراكا فان القوة و ان كانت قريبة من الفعل الا أنها تكون لا محالة مقارنة للعدم لان القوة لفظة مرادفة للامكان المقارن للعدم و لذلك يقولون القوة طبيعة عدمية و اذا كان كذلك فليس كل من عقل شيا عقل بالقوة القريبة من الفعل أنه عقله فان من الأشياء ما يكون لفعله كونه عاقلا بالفعل المحض و يكون منزها عن طبيعة القوة القريبة و البعيدة كالبارى عز اسمه و المفارقات و اذا كان كذلك لم يجز أن يقال كل من عقل شيأ فانه يعقل بالقوة القريبة من الفعل أنه يعقل بل يجب أن يقال كل من عقل شيأ فانه يمكن أن يعقل انه يعقل ذلك الشيء و يكون المراد بهذا الامكان الامكان العام حتى يتناول ما يكون ذلك التعقل فى حقه واجب الحصول كالبارى تعالى و ما لا يكون كذلك بل يكون بالقوة القريبة من الفعل كما فى حقنا و أما قوله و ذلك عقل منه لذاته فالمراد منه أن كل من عقل أنه يعقل غيره فقد عقل أن ذاته موصوفة بكونها عاقلة للغير و من عقل اتصاف شيء بشيء فلا بدّ و ان يعرف الموصوف و الصفة معا و قد بينا أن هذه المقدمة و ان كانت ضرورية لكنها لا تستمر على مذهبه و اعلم أن على اللفظ استدراكا و هو أن قوله عقل منه لذاته توهم أن عقل الشيء لكونه عاقلا لغيره هو نفس عقله لذاته و ليس الامر كذلك فان علمى بانى عالم بشيء علم متعلق نسبة مخصوصة بين ذاتى و بين العلم بشيء و العلم بتلك النسبة مغاير للعلم بكل واحد من المنتسبين فكيف يجوز أن يقال العلم بتلك النسبة هو العلم بذاتى بل الواجب أن يقال علمى بكونى عالما بشيء يتضمن أو يلتزم علمى بذاتى و أما قوله فكل ما يعقل شيأ فله أن يعقل ذاته ينتج كل ما يعقل شيأ له أن يعقل ذاته و أما قوله و كل ما يعقل شيأ فمن شأن ماهيته أن يقارن معقولا آخر فالمراد منه بيان أن كل ما صح أن يكون معقولا فانه يمكن أن يقارن ماهيته ماهية معقول آخر و أما قوله و لذلك يعقل مع غيره و انما يعقله القوة العاقلة بالمقارنة فالمراد منه الاستدلال على الدعوى التي ذكرها و ذلك لان كل ما صح أن يكون معقولا فى نفسه صح أن يكون معقولا مع غيره فقد حصلت ماهيته مع ماهية غيره فى الجوهر العاقل و ذلك هو المقارنة و أما قوله فان كان ما يقوم بذاته فلا مانع له من حقيقته أن يقارن المعنى المعقول فالمراد منه أنه لما ثبت أن المجرد لا يمتنع على ماهيته أن يقارن غيرها
فاذا فرضنا تلك الماهية موجودة فى الخارج قائمة بذاتها وجب أن يصح عليها أن يقارنها تلك الماهيات لانها لما عرفنا فى بعض الاحوال أن تلك الماهية يصح أن يقارنها بسائر الماهيات فحيث ما حصلت تلك الماهية سواء حصلت فى الذهن أو فى الخارج وجب أن يصح عليها تلك المقارنة ثم انه لم يبين هاهنا أن تلك الصحة غير موقوفة على الوجود الذهنى أو لا يمنع عنها الوجود الخارجى لانه أورد فصلا للكلام فى ذلك على ما سيأتى و أما قوله الا أن يكون ذاته ممنوة فى الوجود بمعاوقة أمور مانعة عن ذلك من مادة أو شيء آخر ان كان فالمراد منه أن تلك الماهية يجب أن