شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٧١ - (اشارة في بيان أن عاقل فهو معقول
بالضرورة كانت حقيقة وجود البارى تعالى معلومة بالضرورة ثم انا ندل على انه يستحيل أن يكون وجوده مقارنا لماهية بل لا ماهية له الا ذلك الوجود فاذن يلزم أن تكون حقيقة البارى تعالى معلومة لنا فنقول لا شك أن من جعل مفهوم الوجود فى الواجب و الممكن أمرا واحدا فزعم أن ذلك المفهوم غير مفارق فى حق البارى تعالى لماهية أخرى بعد ان زعم أن الوجود أولى التصور لزمه القطع بان حقيقة البارى تعالى أولية التصور و لكن الشان فى صحة هذه المقدمات فانا سنبين ان شاء اللّه تعالى ان الذي يعتقد من ان وجود اللّه تعالى لا يمكن ان يكون مقارنا للماهية اعتقاد باطل خطأ و تقرر وجه فساد ذلك بالبراهين القاطعة و العجب ان الشيخ مع اصراره على هذه المقدمات الثلاثة يعترف بان حقيقة اللّه غير معلومة للبشر و البراهين القاطعة ناطقة بذلك أيضا فاى شيء يفهم هاهنا أ ليست بتلك المقدمات فى انتاج شيء هم يعترفون بفساده ثم لئن وقعت المساعدة على ان كل ماهية مجردة فانها يصح أن تكون معلومة فلم قلتم ان كل ما يصح أن يكون معقولا وحده صح أن يكون معقولا مع غيره فلعل من الماهيات المجردة ما لا يصح أن يعقل شيأ آخر مع تعقلها و كيف يحكم بامتناع ذلك من يكون ظاهر مذهبه ان العلم بالشيء و العلم بغيره لا يجتمعان و يتعذر أن يساعد على ان كل مجرد فانه يصح أن يعقل مع غيره لكن لا بد من الدلالة على أن كل مجرد فانه يصح أن يعقل مع كل ما عداه حتى يمكننا أن نفرع عليه أن كل مجرد فانه يصح أن يعقل كل لاشياء لكن هذا المقام ليس ببديهى فلعل من الماهيات المجردة ما لا يصح أن يعقل مع تعقل بعض الأشياء و ان صح تعقله مع تعقل سائر الأشياء ثم لئن وقعت المساعدة على ان كل ماهية مجردة فانها يمكن أن تكون معقولة مع كل ما عداها لكن لم قلتم انه متى صح ذلك قد صح أن يكون ماهيتها مقارنة غيرها بلى لو ثبت ان العلم بالشيء يستدعى حصول ماهية المعلوم فى العالم لكان ذلك لازما لكن الكلام فيه لئن وقعت المساعدة على ان كل ماهية مجردة فانه لا يمتنع أن يقارنها سائر الماهيات فلم قلتم ان صحة هذه المقارنة حاصلة لها عند كونها فى الخارج و لم لا يجوز ان يقال شرط هذه الصحة حلولها فى النفس أن يقال ان وجودها الخارجى يكون مانعا من ذلك و أما قوله لو وقعت صحة هذه المقارنة على حصولها فى النفس مع أن حصولها فى النفس عبارة عن مقارنتها للنفس لزم آخر صحة الشيء عن وجوده و انه محال قلنا هذه مغالطة و بيانه و هو ان مقارنة الشيء لغيره على أقسام ثلاثة أحدها مقارنة الحال للمحل و ثانيها مقارنة المحل للحال و ثالثها مقارنة الحالين فى محل واحد و اذا عرفت ذلك فنقول انا لما عقلنا شيئين عرفنا بذلك أنه يصح على ذينك ان يتقارنا مقارنة حالين فى محل واحد و اذا رأينا شيأ حل فى محل عرفنا بذلك أنه يصح على ذلك الحال ان يقارن غيره مقارنة الحال للمحل و عرفنا أيضا انه يصح على ذلك المحل ان يقارن غيره مقارنة المحل للحال و هذه الانواع الثلاثة من المقارنة كانها أنواع مختلفة تحت جنس واحد و هو أصل المقارنة ثم لا شك أن الشيء الذي يصح عليه نوع من جنس فانه لا يجب أن يصح عليه سائر الانواع من ذلك الجنس و كيف لا نقول ذلك و العرض يصح أن يقارن غيره مقارنة الحال للمحل من غير عكس و الاقسام الأربعة من الجوهر يصح غيرها أن يقارن مقارنة المحل للحال من غير عكس و اذا عرفت ذلك فنقول انه لما ثبت الحجة ان التعقل يستدعى حصول ماهية المعقول فى العاقل فاذا عقلنا شيئين علمنا ان الماهيتين المقولتين يقارنها فى ذلك الجوهر مقارنة حالين فى محل واحد فاردنا أن نبين أن صحة هذا النوع من المقارنة لا يتوقف على كون الماهية موجودة فى العقل لم يكفنا فى هذا قولنا ان صحة مقارنتها للجوهر العاقل لا يتوقف على حصولها فيه لان مقارنتها لمحلها مخالفة لمقارنتها لما حل فى محلها فلا يلزم من عدم توقف النوع الأول من المقارنة على حلول الصورة فى الجوهر العاقل عدم توقف النوع الثاني من المقارنة على حلول الصورة فى الجوهر العاقل ثم بتقدير ان يثبت أن صحة مقارنتها مع ما يحل فى محلها لا يتوقف على حلولها فى الجوهر العاقل فانه لا يلزم من ذلك صحة النوع الثالث من المقارنة أعنى مقارنة المحل للحال و
معلوم أنه انما يعقل غيره اذا كان هو مقارنا لذلك الغير مقارنة المحل للحال فقد يخص الكلام المذكور فى هذا المقام مغالطة صرفة و لئن وقعت المساعدة على أن هذه الانواع الثلاثة من المقارنة متساوية فى تمام