شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٤١ - تنبيه في بيان أنواع الادراك و مراتبها
محسوسا عند ما غشيته غواش غريبة عن ماهيته ثم فسر الغواشى الغريبة بانها التي لو أزيلت عن الشيء لم تؤثر تلك الازالة فى تلك الماهية و هذا التفسير يتناول جميع العوارض مفارقة كانت أو لازمة و سواء كانت لازمة للوجود أو للماهية فان زوال الشيء منها لا يؤثر فى ازالة الماهية فان الصفات المفارقة قد تزول عن الشيء مع بقائه و الصفات اللازمة للشيء لا يكون زوالها سببا لزوال الماهية بل زوال الماهية يكون سببا لزوالهما ثم انه لما ادعى ان الشيء انما يكون محسوسا عند ما يكون موصوفا باللواحق الغريبة برهن على ذلك بان الحس لا يتناول الانسان الا فى اين و كيف و وضع و مقدار بعينه لو توهم بدله غيره لم يؤثر فى لو حقيقة ماهية انسانيته لان ما به الاشتراك لا يتغير حاله عند تغير ما به الاختلاف فهذه الامور عوارض غريبة عن الانسانية مع ان الحس لا يتعلق بها الا مع هذه الأشياء ثم بين بعد ذلك ان الحس الظاهر مع انه لا يتعلق بالشيء الا عند كونه موصوفا بهذه العوارض لا يتعلق به الا عند علاقة وضعية و هى كون المرء حاضرا مقابلا للرائى و ان لا يكون هناك حجاب الى غير ذلك من الشرائط و أما قوله الخيال الباطن فتخيله مع تلك العوارض لا يقدر على تجريده المطلق عنها لكن تجرده عن تلك العلاقة المذكورة التي تعلق بها الحس فهو يتمثل صورته مع غيبوبة حاملها فاعلم أن معناه ما قررنا ان الخيال لا يستحضر الماهية الا مع العوارض التي باعتبارها يتشخص و يمتنع حمله على كثيرين و لكن يمتاز هذا النوع من الادراك عن ذلك النوع بانه لا يتوقف على وجود المدرك فى الخارج و النوع الاوّل يتوقف عليه و أما قوله و أما العقل فيقتدر على تجريد الماهية المكنوفة باللواحق الغريبة المشخصة مستثبتا اياها حتى كانه عمل بالمحسوس عملا جعله معقولا فاعلم ان تفسيره ما قدمنا من ان العقل اذا علم القدر المشترك بين الاشخاص المختلفة فهذا العلم هو العقل و ذلك المشترك هو المعقول فاقتدار العقل على ادراك ذلك القدر المشترك مع قطع النظر عن الصفات التي بها وقع لاختلاف هو المعنى باقتداره على التجريد و هو العمل الذي عمله بالمحسوس حتى جعله معقولا و أمّا قوله و أما ما هو فى ذاته بريء عن الشوائب المادية و اللواحق الغريبة التي لا تلزم ماهيته عن ماهيته فهو معقول لذاته ليس يحتاج الى عمل يعمل به بعده لان تعقله ما من شانه أن يعقله بل لعلة فى جانب ما من شأنه أن يعقله فاعلم ان المراد منه ان المانع من كون الشيء معقولا هو المادة و علائقها فاذا كانت الماهية مادية احتاجت الى العقل فى تصييرها معقولة الى ان يجردها عن المادة و أما اذا كانت مجردة لذاتها عن المدة و عن علائقها لم تكن محتاجة الى أن يعمل بها عملا لاجله يصير معقولا لانه اذا كان المانع عن المعقولية غير حاصل له كان معقولا فى ذاته بل ربما احتاج الشيء الذي يعقله الى عمل لاجله يستعد لان يعقله و هو الفكر و التأمل فان قيل قولكم المانع من كون الشيء معقولا هو المادة و علائقها فيه بحث و ذلك لانه يجب تحقيق المراد من المادة حتى ينظر انه هل يمكن جعلها مانعة من المعقولية أم لا فنقول ان ماهية الشيء اذا كانت مؤلفة من محل و حال فالمحل هو المادة و الحال هو الصورة مثل السرير فانه لا يحصل من الخشب فقط بل لا بد و ان يكون ذلك الخشب مشكلا بشكل مخصوص و الشكل حال فى الخشب فالخشب مادة فى السرير و الشكل صورة لم يقل فحصل ان المادة هى المحل و الصورة هى الحال سواء كان المحل محسوسا كما ذكرناه أو معقولا كالهيولى الاولى التي بينها الحكماء للجسم و سواء كان متقوما بالحال كالهيولى الاولى مقوما له كالموضوع و العرض و اذا عرفت ذلك فنقول ان ذلك المحل له ماهية يمكن أن يكون معقولا فتعقلها لا ينافى تعقل ماهية ما يحل فيها فان من صدق بكون الخشب شكلا فلا بدّ و ان يكون هو بعينه متصورا لماهية الخشب و لماهية الشكل حتى يمكنه التصديق بثبوت أحدهما للآخر فان التصديق بثبوت شيء لشيء يستدعى تصور كل واحد من الطرفين فاذا ثبت ان ماهية المحل يمكن أن تكون معقولة و ثبت أن تعقلها لا يمنع من تعقل ما يحل فيها ثبت ان المحل لا يمكن أن يجعل مانعا من كون الشيء معقولا و ثبت ان المادة لا معنى لها الا المحل فظهر انه لا يمكن جعل المادة مانعة من المعقولية فنقول
فى الجواب أنه متى ثبت انه لا معنى للتعقل الا حصول ماهية المعقول للعاقل ثبت ان المادة مانعة عن المعقولية