شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٦٦ - (وهم و تنبيه في بيان فساد أن تقبل الصورة العقلية القسمة الوهمية
ذلك المعلوم علما بذلك المعلوم هذا خلف فاذن يجب أن يكون كل واحد من أجزاء ذلك العلم صورة لجزء من أجزاء ذلك المعلوم فيكون المعلوم منقسما لكن ليس كل معلوم كذلك و أما ثانيا فلانه اذا كان كل واحد من جزأى تلك الصورة شرطا لكل تلك الصورة و الجزءان انما يكونان جزءين بعد انقسام تلك الصورة الى ذينك الجزءين فقبل حصول الانقسام لم يكن شرط كون تلك الصورة عقلية حاصلا فوجب أن لا تكون الصورة قبل الانقسام عقلية و ذلك باطل لانه لا بد من صورة عقلية غير منقسمة و الا لكانت الانقسامات الممكنة فى الجسم حاصلة بالفعل و انه محال و أما القسم الثاني و هو أن لا يكون جزء تلك الصورة شرطا لكونها عقلية فحينئذ تكون الصورة العقلية المنقسمة موصوفة بالعوارض اما أولا فالانقسام و اما ثانيا فلان الصورة انما تكون منقسمة الى الاجزاء المتشابهة لو كان كل واحد من أجزائها مساويا لها فى الماهية و اذا كان كذلك كان المحل الذي حل فيه جزء تلك الصورة كافيا فى قبول تلك الماهية فيكون فى جزء محل تلك الصورة كفاية و بلاغ فى حفظ ماهية تلك الصورة و اذا كان كذلك كان حصولها فى كل ذلك المحل عارضا غريبا عنها فثبت بهذين الوجهين انه يلزم أن تكون الصورة العقلية مغشاة بعوارض غريبة منها الجمع و التفريق على ما مر بيانه و منها الزيادة و النقصان أما الزيادة فلانه لما أمكن حلولها فى جزء محلها كان الجزء الثاني من المحل زيادة على قدر كفايتها و أما النقصان فلانه لما كان الجزء مساويا للكل كان جزء الصورة ممكن الحصول فى محل كلها فعدم حصولها فى محل الكل نقصان لها من مقدارها فاذن تكون الصورة العقلية على هذا الوجه موصوفة أبدا بالزيادة و النقصان و أما اختصاصها بالوضع فظاهر فثبت ان الصورة الحالة فى الجسم تكون موصوفة بهذه العوارض الغريبة و الصورة العقلية يجب أن تكون مجردة عن اللواحق الغريبة فبطل هذا القسم أيضا و ثبت ان الصورة العقلية تستحيل أن تكون جسمانية و لقائل أن يقول ان الصورة العقلية الموجودة فى النفس الجزئية صورة حالة فى محل معين فتشخصها و حلولها فى ذلك المحل و عرضيتها و مقارنتها لسائر الاعراض الحالة معها فى ذلك المحل و حدوثها فى ذلك الوقت كل ذلك اعراض و أحوال غريبة ماهيتها فلئن استحال حلول تلك الصور فى الجسم لانها تكون حينئذ موصوفة باللواحق الغريبة و بالجملة فهذه الدلالة انما تتم لو كانت الصورة العقلية عند حلولها فى النفس بريئة عن اللواحق الغريبة أما اذا كانت ملحوقة باللواحق الغريبة فى هذه الحالة أيضا سقطت هذه الدلالة فلئن قالوا المعنى تكون الصورة الحالة فى النفس مجردة انا اذا قطعنا النظر عن العوارض التي ذكرتموها وجودنا النظر الى ماهيتها كانت تلك الماهية من حيث هى هى أمرا ممتازا عن سائر الصفات التي لها و هى بهذا الاعتبار مجردة فنقول فهذا المعنى من التجريد حاصل عند ما تكون الصورة حالة فى الجسم فان الصورة الحالة فى الجسم اذا نظر الى ماهيتها مع قطع النظر عن وضعها و مقدارها و حلولها فى الجسم كانت مجردة فعلمنا انه لا يفترق الحال بين كون الصورة جسمانية أو نفسانية فى كونها مجردة أو غير مجردة و اعلم انا بينا فيما مضى انه لا يجوز أن يكون فى العقل صورة مجردة كلية و بينا ان الكلى المجرد ليس الا بجزء المشترك بين الأشياء الموجودة فى الخارج و ان اطلاق لفظة الكلية و التجرد على العقل شيء مجازى و من الشكوك على هذه الحجة أنه لما كان هذا البرهان لا يتم الا بهذا التقدير فهذا القدر لو صح كان كافيا فى افادة المطلوب لانا نقول كل عرض حل فى المتحيز فلا بدّ و ان يكون له وضع و اليه اشارة بسبب محله و كل ما له وضع لم يكن مجردا عن اللواحق لكن الصورة العقلية مجردة عن اللواحق فيجب أن تكون حالة فى الجسم فهذا القدر لوضح لكفى فى بيان تجرد النفس من غير حاجة الى بيان ان الصورة العقلية هل تنقسم بانقسام محلها أم لا و ان ذلك الانقسام كيف هو فهذا آخر الكلام فى تتميم هذه الحجة و الاولى عندى فى تقريرها أن يقال ان كل ما يحل فى الجسم ينقسم بانقسامه فنقول و العلم بالاشياء البسيطة يستحيل أن ينقسم و الا لكان جزؤه اما أن يكون عالما بذلك المعلوم أو لا يكون فان لم يكن عالما بذلك المعلوم فعند اجتماع تلك الاجزاء اما أن تحدث الكيفية المسماة بالعلم بذلك المعلوم أولا