شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٥٤ - (اشارة في ذكر القوى التي يختص الانسان بها
بالمفروع منه كالمشاهدة متى شاءت من غير افتقار الى اكتساب و هو المصباح و هذا الكمال يسمى عقلا مستفادا و هذه الملكة تسمى عقلا بالفعل و الذي يخرج من الملكة الى الفعل التام و من الهيولانى أيضا الى الملكة هو العقل الفعال و هو النار)
انه لما فرغ عن تعديد القوى المدركة الحيوانية شرع بعده فى تعديد قوى لنفس الانسانية فانما قال على سبيل التصنيف لان الاختلاف بين القوى الحيوانية المذكورة اختلاف النوع لان ماهية كل واحدة منها مخالفة لماهية الاخرى و اما الاختلاف بين قوى النفس الناطقة فليس اختلافا نوعيا لان الاختلاف بين المراتب المذكورة هاهنا ليس الا بحسب الاشد و الانقض و ذلك لا يقتضى الاختلاف بالماهية فى الظاهر و اذا عرفت ذلك فنقول النفس الناطقة لها قوتان احداهما عملية و الاخرى نظرية أما العملية فهى القوة التي لها لاجل كونها مدبرة للبدن و هو المسماة بالعقل العملى و هذه القوة التي يستنبط الرأى الجزئى الذي يجب أن يفعله الانسان ليتوصل بذلك الفعل الى اعراض اختيارية و ذلك الاستنباط انما يكون من مقدمات أولية و ذائعة و تجربية و باستعانة من هذه القوى بالعقل النظرى فى الرأى الكلى الى أن ينتقل به الى الجزئى و أقول ان هذا الكلام تصريح بان النفس مدركة للجزئيات و متى اعترف بذلك تعذر عليه اثبات القوى الباطنة التي ذكرها قبل هذا الفصل و أما القوة النظرية فهى القوة التي يحتاج اليها ليصير جوهرها عقلا بالفعل و تلك القوة لها مراتب أربعة الاولى استعدادها لقبول الصور العقلية حال ما لا تكون الصور حاصلة مثل نفوس الاطفال و هذه المرتبة مسماة بالعقل الهيولانى و بالمشكاة المرتبة الثانية أن تحصل لها العلوم الاولية بالفعل التي لاجلها تتمكن النفس من اكتساب العلوم النظرية و هذه المرتبة على أقسام أربعة لان استعداد الانتقال من تلك العلوم الاولية الى العلوم النظرية اما أن يكون بحيث لا يحصل الا عند الجد و الطلب و ذلك هو الفكر لانه لا معنى للفكر الا ما يكون الاجماع و العزم على الانتقال من الحاضر الى المستحضر و هذا القسم هو الشجرة و الزيتونة و أما القسم الثاني و هو أن تحصل تلك الانتقالات من غير شوق و طلب فهذا هو الحدس ثم ان هذه الحالة قابلة للزيادة و النقصان و كل ما كان كذلك افترض له طرفان و واسطة فالطرف الناقص من هذا الحدس هو الزيت و أما الوسط فهو العقل بالملكة و هى الزجاجة و أما الطرف الا على فهو القوة الحدسية الشريفة البالغة و هى القوة القدسية و هى التي يكاد زيتها يضيء فهذه أقسام المرتبة الثانية ثم اعلم أن النفس بعد وصولها الى هذه المرتبة الثانية يحصل لها قوة و كمال أما الكمال و هو المرتبة الثالثة من مراتب العقل النظرى و هو أن يحصل له المعقول بالفعل مشاهدا متمثلا فى الذهن و هو نور على نور و هذا يسمى عقلا مستفادا و أما القوة و هى المرتبة الرابعة فان يكون للنفس أن تستحضر المعقول المكتسب المفروغ كالمشاهد متى شاءت من غير فتقار الى اكتساب و هو المصباح و هذه القوة تسمى عقلا بالفعل و انما قدم العقل المستفاد على العقل بالفعل لان العقل بالفعل لما كان عبارة عن كون الانسان حيث يقدر على استحضار العلوم النظرية متى شاء من غير اكتساب كان ذلك من باب الملكة و الملكة لا تحصل الا بعد الفعل فان ملكة الكتابة لا تحصل الا بعد فعل الكتابة و أما العقل المستفاد فهو عبارة عن الفعل و لما كان الفعل مقدما على الملكة لا جرم قدم العقل المستفاد على العقل بالفعل و جعل العقل بالفعل آخر المراتب النظرية و أما قوله و الذي يخرج من الملكة الى الفعل و من الهيولانى أيضا الى الملكة هو العقل الفعال و هو النار فاعلم أنه كلام خارج عن مقصود الفصل لان المقصود من هذا الفصل ذكر قوى النفس الانسانية و العقل الفعال ليس من القوى الانسانية لكنه ذكره لغرضين أحدهما أن العقل الفعال هو العلة لوجود النفس الانسانية و لخروجها عن الهيولانية الى الملكة و من الملكة الى العقل التام فلاجل هذا التعلق أورده هاهنا الثاني لما جعل هذه المراتب من النفس تفسير لقوله تبارك و تعالى مثل نوره كمشكاة فيها مصباح احتاج الى ذكر العقل الفعال ليتبين أنه هو المراد بالنار فى قوله تعالى و لو لم تمسسه نار فهذا تفسير هذا الفصل و قد بقى فيه بحث واحد و هو انه ان عنى بالقوة العملية استعداد النفس لتدبير البدن و بالقوة النظرية استعدادها لقبول العلوم و بالعل الهيولانى هو الاستعداد عند عدم المستعد له و بالعقل بالملكة حصول العلوم الاولية فالكلام صحيح و تكون هذه الاسامى واقعة عليها بحسب مالها من هذه لآفات و الاحوال و ان كان المراد به ان جوهر النفس موصوفة بقوة لاجلها صح منها تدبير البدن و بقوة أخرى لاجلها استعد لقبول العلوم فذلك ممنوع و
لا بد