شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١١٧ - (وهم و تنبيه في إبطال مذهب القائلين بالورود
بل قد اعترف فى الشفاء ان ذلك لم يصح بالدلالة و لا دلالة أيضا على صحة استحالة النار باردة و الهواء صلبا بل قد دل على ان النار تصير أرضا على سبيل التكون بمعنى ان الصورة النارية تزول عنه و تحدث الصورة الارضية و لكن لم يدل على أن النار مع بقاء صورتها النارية يمكن أن تزول عنها الحرارة و تحدث فيها البرودة بل الذي بينه هاهنا صحة صيرورة الماء حارا مع بقاء الصورة المائية و فيه أيضا اشارة خفيفة الى صحة استحالة الحار باردا و لكن أكثر الكلام فى الصورة الاولى ثم اعلم أن منكرى الاستحالة اتفقوا على أن جرم الماء لم يتسخن قط بل الذي يحس بحرارته أجزاء نارية مخالطة لتلك الاجزاء المائية ثم انهم تخربوا بعد ذلك حزبين فمنهم من زعم ان أجزاء نارية وردت على الماء فخالطته فلما اختلطت الاجزاء الصغيرة جدا من الحار و البارد أحس بالكل كأنه حار و منهم من زعم ان تلك الاجزاء النارية كانت كامنة فى جرم الماء و فى الأشياء لارضية التي تخرق فلما برزت من الكمون أحس بها و الغرض من هذا الفصل ابطال القول الأول و الشيخ ذكر هاهنا فى ابطال ذلك وجوها خمسة الأول أن المحكوك و المخلخل و المخضخض قد يحمى من غير عروض نارية غريبة اليه و اعلم انه لما أراد أن يبين ان الارض و الماء قد يسخنان مع بقاء طبيعتيهما و كذلك الهواء قد يسخن فوق ما يستحقه الطبيعة الهوائية ذكر ألفاظا ثلاثة نبه بها على هذه المطالب فالمحكوك هو الجسم الصلب الارضى الذي يماسه جسم آخر كذلك مماسة قوية فهذا الجسم قد يسخن فدل على ان الارض قد تسخن من غير وصول نارية غريبة اليها و أما المتخلخل فقد علمت أن المتخلخل قد يكون من باب الوضع و هو انفشاش الاجزاء و قد يكون من باب الكيف و هو رقة القوام و المراد بالمتخلخل هاهنا الثاني فان من ألح على الكير بالنفخ الكثير و منع من وصول الهواء الغريب اليه فان ذلك الهواء يصير متخلخلا جدا و بسبب ذلك يستحق فوق ما تستحق الطبيعة الهوائية و أما المخضخض فهو الجسم الذي يغلب عليه الماء فانه اذا حرك كثيرا يسخن فهذا هو الفائدة من هذه الالفاظ الثلاثة الثاني و هو انا اذا سخنا ما بين متساويين فى الرقة و الكدورة فى اناءين أحدهما متخلخل و الآخر مستخصف فلو كان تسخن الماء عبارة عن نفوذ الاجزاء النارية فيه و معلوم ان نفوذ الاجزاء النارية فى الاناء المتخلخل أسهل و نفوذها فى الاناء المستخصف أقل لكان تسخن الماء فى الاناء المتخلخل أسرع من تسخن الماء الذي فى الاناء المستخصف و لكان نسبة تسخن الماء فى أحدهما الى الماء الذي فى الآخر كنسبة أحدهما الى الآخر فى التخلخل و الاستحصاف فلما لم يكن كذلك علمنا ان التسخن للنفوذ الثالث و هوانا اذا ملأنا الاناء من الماء و صممنا رأس الاناء صما شديدا و كان الاناء معدوم المنافذ فهذا الاناء لا يخرج منه شيء من الاجزاء المائية و ان خرج منه فانه يكون قليلا و اذا كان كذلك امتنع أن يدخل فيه شيء من الاجزاء النارية اللهم الا أن يقال الماء الذي يكون فيه يصير مقداره أقل و لكن المانعين من الاستحالة يقولون بذلك و اذا كان كذلك وجب فى مثل هذا الاناء ان لا يسخن ما فيه من الماء و ان تسخن فانه يسخن قليلا فلما لم يكن كذلك بل كان تسخن الماء الذي فى مثل هذا الاناء أولى من تسخن الماء المحصور فى الاناء المتخلخل المفتوح الرأس علمنا ان التسخن ليس لما قالوه الرابع ان القمقمة اذا ملئت ماء و سد رأسها سدا وثيقا ثم أوقد تحتها نارا عظيمة فانها تنشق و يخرج منه صوت عظيم مع أن أكثر ما فيه من الماء قد انقلب نارا و هذه الحجة قد جعلها فى سائر المواضع دليلا على الكون دون الاستحالة الخامس أن الجمد يبرد ما فوقه مع ان الاجزاء الباردة لا تنصعد و لقائل أن يقول الذي يبرد فوق الجمد ليس الا جسم أرضى أو هوائى أما الجسم الارضى فهو بارد بطبعه فيكون تبرده ليس بالاستحالة بل بالطبع و أما الهواء فان ثبت انه بارد بالطبع لم ينتفع بالحجة المذكورة و ان ثبت انه حار لم يحتج الى هذه الحجة فانه لا شك فى أن الهواء قد يبرد فاذا كانت طبيعته تقتضى بالحرارة كانت برودته على سبيل الاستحالة و لنرجع الى شرح المتن فأما ألفاظ السؤال فبينة و أما قوله فاعتبر حال المحكوك و المتخضخض حتى يحمى من غير وصول نارية اليه فهذا هو الحجة الاولى
و أما قوله و اعتبر حال المسخن فى مستخصف و فى متخلخل هل يمنع لاستخصال نفوذ ما يسخن بالفشو فيه على نسبة قوامه فهذا هو الحجة الثانية قال صاحب الصحاح استخصف الشيء أى استحكم و معنى الكلام اعتبر حال الماءين المسخن أحدهما فى اناء مستخصف و الثاني فى اناء متخلخل فان الاستحصاف يمنع نفوذ الاجزاء النارية التي لا يسخن الماء الا بفشوها فيه عند الخصم فكان يلزم أن لا يسخن الماء و أما قوله و هل الامتلاء من مصموم معدوم المنفذ يمنع البلاغ فى التسخن بمنع الفشو اذا كان لا يخرج منه شيء يعتد به حتى يعتد مكانه فاش يعتد به فهو الحجة الثالثة و معناه ان الآنية التي لا يكون لها منفذ أصلا و صممنا رأسها بشيء صما وثيقا و انه لا يخرج منه الماء الا القليل و حينئذ لا يفشو فيه من الاجزاء النارية الا القليل فكان يجب أن لا يشتد التسخن و أما قوله و اعتبر القماقم الصباحة فهو الحجة الرابعة و أما