شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٤٣
و لا اختلاف و اذا كان كذلك استحال اختصاص ذلك الوقت بحصول الامكان و الاصلحية فيه دون سائر الاوقات ثم انه بنى على هذه المقدمة أيضا انه يستحيل اختصاص الوقت المعين بارادة متحدة أو طبيعة متجددة أو زوال قبح أو زوال امتناع و بالجملة فلما استحال وقوع الاختلاف فى العدم الصرف استحال أن يختص وقت منه بأمر دون سائر الاوقات سواء كان المختص بذلك الوقت حدوث أمر ما كان من امكان أو مصلحة أو وقت أو طبيعة أو زوال قبح أو امتناع أو غيرهما و لما فرغ عن تقرير الدلالة عاد الى الجواب عن أدلة خصومه و لهم نوعان من الأدلة أحدهما الوجوه الدالة على استحالة حوادث لا بداية لها و هى الوجوه الثلاثة التي تقدم ذكرها و ثانيهما ان علة الحاجة الى الفاعل الحدوث فقط فلو كان العالم قديما استحال اسناده الى الفاعل ثم ان الشيخ ابتدأ بالجواب عن هذا النوع من أدلة خصومه لما انه تكلم فى أول هذا النمط على هذه المقدمة و هو من وجهين أحدهما ما بينا فى أوّل النمط من فساد قوله علة الحاجة الحدوث و الثاني انا سلمنا ذلك لكنا لو قدرنا حدوث العالم قبل ان حدث فيه بتقدير يوم أو يومين لما خرج بذلك عن الحدوث و لما دخل لاجل ذلك فى الازلية و اذا كان كذلك استحال تعليل اختصاصه بهذا الوقت بوجوب كونه مسبوقا بالعدم ثم شرع بعد ذلك فى الجواب عن تلك الأدلة الثلاثة فأجاب عن الحجة الاولى بأنه لا يلزم من قولنا ان كل واحد من الحوادث التي لا أول لها قد دخل فى الوجود أن نقول ان مجموع تلك الحوادث التي لا أول لها قد دخل فى الوجود لانه ليس اذا صدق حكم على كل واحد من مجموع صدق ذلك الحكم على ذلك المجموع فان كل واحد من مقدورات اللّه تعالى يصح دخوله فى الوجود و لا يلزم من صدق هذه المقدمة صدق قولنا ان جميع مقدورات اللّه سبحانه و تعالى يصح دخولها فى الوجود فان مقدورات اللّه تعالى غير متناهية و ما لا يتناهى لا يصح دخوله فى الوجود بالاتفاق و أجاب بعد ذلك عن الحجة المبنية على الزيادة و النقصان فقال الحوادث الغير المتناهية أبدا كانت معدومة لانه أبدا لا يكون الحاصل الموجود منها الا واحدا فاما المجموع فانه قطعا كان موجودا فاذن غير المتناهى كان معدوما أبدا و المعدوم قد يتطرق اليه الزيادة و النقصان و تطرقها اليه لا يقدح فى كونه غير متناه كما قلنا فى الحوادث المستقبلة فانها بالاتفاق غير متناهية فى الصحة الماضية فانه لا بداية لها و الا لزم الانتقال من الامتناع الى الامكان فكذا مقدورات اللّه تعالى أقل من معلوماته مع انه لا نهاية لكل واحد منهما و كذلك تضعف الالف مرارا لا نهاية لها أقل من تضعيف الالفين مرارا لا نهاية لها ثم أجاب عن الحجة الاخرى و هى انه لو لم يكن للحوادث الماضية بداية لتوقف حصول الحادث اليومى على انقضاء ما لا نهاية له فقال ما المعنى بهذا التوقف ان عنيت به انه قد كان فيما مضى وقت من الاوقات لم يكن شيء من الحوادث فيه موجودا ثم انه يتوقف حصول الحوادث اليومية على أن يبتدئ حدوث الحوادث من ذلك الوقت و ينقضى منها ما لا نهاية له ثم يحدث بعد انقضائها هذا الحادث اليومى فنحن نسلم ان ما توقف حدوثه على انقضاء ما لا نهاية له بهذا التفسير محال لان ذلك انما يصح لو ثبت انه قد انقضى فيما مضى وقت لم يكن شيء من الحوادث فيه موجودا و ان حدوث الحوادث انما ابتدئ من ذلك الوقت و هذا هو عين المطلوب فاذن تتوقف صحة هذه الحجة على صحة المطلوب نفسه و ان عنيتم بالتوقف ان هذا الحادث اليومى انما حصل بعد انقضاء ما لا نهاية له فلم قلتم ان ذلك محال فان النزاع ما وقع الا فيه و لما أجاب عن استدلالات خصومه عاد فقال فيجب من اعتبار ما نبهنا عليه أن يكون الصانع الواجب الوجود غير مختلف النسب الى الاوقات و الأشياء الكائنة عنه كونا أوليا و ما يلزم ذلك لزوما ذاتيا الا ما قل من اختلافات يلزم عندها فيتبعها التعين و معناه ان الأشياء الصادرة عن البارى تعالى تجب أن تكون صادرة عنه أبدا و ان لا يقع التغيير فى نسبة ذاته تعالى الى آثاره و أفعاله الا ما قل من اختلافات يلزم عندها فيتبعها التغير و المراد تغير الاجسام الفلكية فى أوضاعها و الاجسام العنصرية فى صورها و كيفياتها و أما قوله و اليك الاختيار بعقلك دون هواك بعد ان يجعل واجب
الوجود واحدا فاعلم انه ان كان الغرض منه الامر بالتصلب فى مسئلة التوحيد فقط فهو جيد و لكنه يكون كلاما أجنبيا عن مسئلة القدم و الحدوث و ان كان الغرض منه انها هى المقدمة التي منها يظهر الحق فى مسئلة القدم و الحدوث فهو ضعيف لان القول بوحدة واجب الوجود مما لا تأثير له فى ذلك أصلا لان القائلين بالقدم يقولون ثبت استناد الممكنات بأسرها الى الواجب لذاته فسواء كان الواجب واحدا أو أكثر من الواحد لزم من كونه واجبا دوام آثاره و أفعاله و أما القائلون بالحدوث فلا يتعلق شيء من أدلتهم بالتوحيد و التنبيه فثبت انه لا تتعلق لمسألة القدم و الحدوث بمسألة التوحيد و بالله العون و العصمة و التوفيق و هذا آخر الكلام فى النمط الخامس و لواهب العقل حمد بلا نهاية و له الشكر دائما (ثم الجزء الأول من الاشارات و يليه الجزء الثاني و أوله النمط السادس)