شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٣٠ - (اشارة* في بيان أحوال قوى النفس
ذلك على وجه أشرح مما هاهنا ان شاء اللّه تعالى ثم لما فرغ من بيان هذا الأصل ذكر أن تلك الانفعالات الصاعدة تارة و النازلة أخرى تقبل الشدة و الضعف و لو لا ذلك لما كان بعض الناس أشد استعداد للغضب أو للعفة أو للفجور من البعض و لما كان كذلك دلنا على أن هذه الاستعدادات كيفية راسخة ثابتة فى النفس سواء وجدت الافعال أ و لم توجد القسم الثاني من هذا النمط فى أحكام الادراك ثمان مسائل
* المسألة الاولى فى ماهية الادراك و فيها فصل واحد
(اشارة* [في بيان أحوال قوى النفس]
ادراك الشيء هو أن تكون حقيقته متمثلة عند المدرك نشاهدها ما به يدرك فاما أن تكون تلك الحقيقة نفس حقيقة الشيء الخارج عن المدرك اذا أدرك فتكون حقيقة ما لا وجود له فى الاعيان الخارجة مثل كثير من الاشكال الهندسية بل كثير من المفروضات التي لا يمكن اذا فرضت فى الهندسة مما لا يتحقق أصلا أو يكون مثال حقيقته مرتسما فى ذات المدرك غير مباين له و هو الباقى)
الشرح انه لما تكلم فى وجود النفس و فى وحدتها أراد أن يتكلم فى قواها ثم ان القوى النفسانية تنقسم بالقسمة الاولى الى مدركة و محركة فمن هذا الموضع الى الموضع الذي سماه مكملة النمط فى بيان القوى المدركة و من ذلك الموضع الى آخر النمط فى بيان القوى المحركة و انما قدم الكلام فى القوى المدركة على الكلام فى القوى المحركة لان الحركة الاختيارية لا توجد الا عند الشعور بمطلوب أو مهروب عنه فيكون التحريك متفرعا على الادراك و لاجل ذلك ذهب بعضهم الى انه يجوز خلو بعض الحيوانات عن القوة المحركة بالاختيار مثل الاصداف و الاسفنجات و ان كان هذا المذهب باطلا و لم يجوز أحد خلو الحيوان عن القوة المحركة فلما كان الادراك متقدما على التحريك طبعا استحق التقديم عليه وضعا ثم ان الكلام فى القوة المدركة فرع على الكلام فى حقيقة الادراك فلا جرم تكلم أولا فى ماهية الادراك و حقيقته و اذا عرفت هذه المقدمة فنقول هذا الفصل يتضمن مطلوبين أحدهما ان ادراك الشيء لا يحصل الا عند حصول حقيقة المدرك فى ذات المدرك و ثانيهما أن ذلك لو ثبت فادراك الشيء هل هو نفس هذا الحصول أم لا و الخائضون فى هذه المسألة فلما يميزون بين المطلوبين و نحن نتكلم فيهما بعون اللّه تعالى ثم نرجع الى تفسير الالفاظ المطلوب الأول فى بيان ادراك الشيء لا يحصل الا عند حصول حقيقة المدرك فى المدرك و الدليل عليه أنا اذا تصورنا أمورا لا وجود لها بالفعل سواء كانت ممكنة الوجود مثل كثير من الهندسية أو لا تكون ممكنة الوجود فانا نميز بين ذلك المتصور و بين غيره و ذلك يقتضى كون ذلك المتصور متميزا عن غيره و كل ما كان كذلك فانه ليس عدما صرفا لان العدم الصرف لا يكون فيه امتياز و تخصص و لو جاز فى المعدوم الصرف ان يكون بعضه متميزا عن البعض بالمقدار و اللون و الشكل لجاز فى هذه الامور تميز بعضها عن البعض بالبصر اذ تكون معدومة و ذلك خروج عن العقل و قول من يقول ان تلك المتصورات غير متميزة بعضها عن البعض قبل وجود هل بل نحن قبل وجودها نعلم انها بعد وجودها يكون بعضها متميزا عن البعض قول ضعيف لانه اذا لم يكن هناك ما يشير العقل اليه و تحكم عليه بالامتياز استحال الحكم بان بعضها متميزة عن البعض بعد الوجود و اذا ثبت ان الأشياء التي يتصورها لا بد و أن تكون موجودة و ظاهر أنها غير موجودة فى الخارج اذا الكلام مفروض فيه فلا بدّ و أن تكون موجودة فى الذهن فهذه هى الحجة المذكورة فى الكتاب ثم هاهنا بحثان الأول ان هذه الحجة لا تنتج أن الادراك هو نفس حصول المدرك فى المدرك بل لو أنتج فانما ينتج أن المدرك لا بد و أن يحصل فى الدهن فاما أن الادراك هو نفس ذلك الحصول أوامر آخر مشروط بذلك الحصول فانها لا تظهر منها الثاني أن الادراكات التي يمتنع حصولها الا عند حصول مدركاتها فى الخارج و هى الحواس الظاهرة فانه لا يمكن أن يستدل بهذه الحجة على أنها عبارة عن حصول صورة المدركات فى تلك القوى لاحتمال أن يقال ان تلك الادراكات عبارة عن تعلق القوى المدركة بها فالابصار عبارة عن حالة اضافية تحصل بين القوة الباصرة و بين