شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٢٥ - (اشارة في بيان ماهية الزمان
(اشارة [في بيان ماهية الزمان]
و لان التجدد لا يمكن إلا مع تغير حال و تغير الحال لا يمكن الا لذى قوة تغير حال أعنى الموضوع فهذا الاتصال اذن متعلق بحركة و متحرك أعنى يتغير و متغير لا سيما ما يمكن فيه أن يتصل و لا ينقطع و هى الوضعية الدورية و هذا الاتصال يحتمل التقدير فان قبلا قد يكون أبعد و قبلا قد يكون أقرب فهو كم مقدر للتغير و هذا هو الزمان و هو كمية الحركة لا من جهة المسافة بل من جهة التقدم و التأخر اللذين لا يجتمعان)
التفسير لما أثبت ان كل حادث فهو مسبوق بالزمان و أثبت أنه لا يجوز أن يكون الزمان مؤلفا من أمور غير منقسمة أراد فى هذا الفصل أن يتكلم فى ماهيته و ان يبين انه مقدار الحركة لانه متى ثبت له ذلك لزم من قدم الزمان قدم الحركة و يلزم من قدم الحركة قدم الجسم و بيان أن الزمان هو مقدار الحركة مبنى على أمرين أحدهما أن الزمان مفتقر الى الحركة و المادة و ثانيهما أنه مقدار أما الأول فالدليل عليه انا انما أثبتنا الزمان لانه لما كان عدم الحادث كان قبل وجوده و كانت هذه القبلية و البعدية أمورا وجودية لا جرم افتقرنا الى اثبات شيء يلحقه لذاته هذه القبليات و البعديات اذا كان كذلك كان الذي هو قبل لذاته لا يبقى مع ما هو بعد لذاته و لذلك فان شيأ من أجزاء الزمان لا يستقر و لا يبقى مع الجزء الآخر و اذا كان كذلك كانت أجزاء الزمان متجددة متغيرة و كل متجدد فلا بد له من مادة أى لا بد له من شيء يوجد فيه قوة ذلك التغير أى امكان وجود ذلك التغير على ما سيأتى بيانه فى الفصل الذي يأتى بعد هذا الفصل ثم ان حصول لزمان فى المادة ليس الا لواسطة الحركة لان القبلية و البعدية لا يحصلان الا عند حصول التغير فان الشيء الواحد يستحيل أن يكون قبل نفسه فظهر أن الزمان متعلق بالحركة و بالمادة و لما دلت الأدلة المذكورة فى الفصل السالف على أن الزمان يستحيل أن يكون له بداية و نهاية فوجب أن تكون الحركة الحاصلة له أزلية و أبدية و هذه لحركة ليست الا الوضعية كما سيأتى بيانه فى النمط السادس حيث تبين أن كل حركة مستقيمة فهى منتهية الى سكون و انقطاع و اما أنه من مقولة الكم فلانه يحتمل لذاته التقدير فان السنة الماضية و الشهر الماضى كل واحد منهما قبل هذا اليوم لكن قبلية السنة الماضية بمدة أطول من قبلية الشهر الماضى و كل ما كان كذلك فهو كم فالزمان كم لذاته ثم انه اما أن يكون كما منفصلا و هو باطل لما مر فى الفصل السالف أنه لا يجوز أن يكون مؤلفا من أمور غير منقسمة و الكم المنفصل مؤلف من الوحدات و اما أن يكون كما متصلا و هو المطلوب و حينئذ نقول فى تعريف الزمان انه كمية الحركة لا من جهة المسافة بل من جهة التقدم و التأخر اللذين لا يجتمعان و اما كونه كمية الحركة فقد ظهر و اما قوله لا من جهة المسافة بل من جهة كذا فلان الحركة يعرض لها التقدم و التأخر من وجهين أحدهما لاجل المسافة و ذلك لان الحركة اذا ابتدئت من موضع الى موضع فالجزء الذي وقع من الحركة فى السير الأول ميلا من المسافة قبل الجزء الواقع منها فى السير الثاني و هلم جرا الى هذا الترتيب فهذا نوع من القبلية و البعدية عرض لاجزاء الحركات لسبب تقدم بعض أجزاء المسافة على البعض و ما بينهما لا لاجل المسافة فان الجزء الواقع من الحركة فى الساعة الاولى قبل الجزء الواقع منها فى الساعة الثانية فههنا أجزاء المسافة متقدم بعضها على البعض و أجزاء الزمان أيضا متقدم بعضها على البعض لكن الفرق أن الجزء المتقدم من المسافة يوجد مع الجزء المتأخر عنه و أما الجزء المتقدم من الزمان فانه لا يوجد مع المتأخر عنه و اذ عرفت ذلك ظهر لذلك معنى قوله الزمان كمية الحركة لا من جهة المسافة بل من جهة التقدم و التأخر اللذين لا يجتمعان فان الزمان له لاحق و هو التقدم و التأخر اللذان لا يجتمعان فاذا عرفنا الزمان بهذا اللازم الظاهر البين كان ذلك رسما جيدا فاعلم أن لنا على قولهم الزمان من عوارض الحركات اشكالات قوية ذكرناها فى كتاب الملخص
(المسألة الرابعة) فى أن كل محدث مسبوق بمادة فصل واحدة