شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٧ - (اشارة في أن الجسمية حالة في المحل
الجسمى موجود فى محل و هو المسمى بالهيولى و هاهنا شك و هو ان الجسم قبل الانفصال كان واحدا و بعد الانفصال صار جسمين فالزائل هو الوحدة و الطارى هو الاثنينية و هما عرضان و محلهما الجسم فهذه الحجة تقتضى كون الوحدة و التعدد مغايرين للجسم متعاقبين عليه فيكون المحل هو الجسم و الحال هو الوحدة و التعدد و مما تقرر ذلك ان الجسم تعد ورود الانفصال عليه لا يخرج عن كونه جسما فعلمنا ان الذي زال عند الانفصال شيء سوى الجسمية و اعلم أن هذا الشك انما ينحل بتحرير البرهان على الوجه الملخص و هو أن تقول الجسم الذي يرد عليه الانفصال فانه تزول عنه الجسمية التي كانت موجودة فيه و يحدث فيه جسميتان أخريان و متى كان كذلك فالجسمية موجودة فى محل و بيان الصغرى ان الجسم تعد ورود الانفصال عليه صار جسمين و حصلت هناك جسميتان فهاتان الجسميتان اما أن يقال انهما كانتا موجودتين قبل ورود الانفصال عليه أو ما كانتا موجودتين و الأول باطل و الا لكان ذلك الجسم قبل ورود الانفصال عليه مركبا من ذينك الجزءين ثم ينتقل الكلام الى كل واحد من ذينك الجزءين فان كانت الاجزاء التي تحصل فى كل واحد منهما بعد ورود الانفصال حاصلة فيه بالفعل لكان الجسم مؤلفا من أجزاء لا تتجزأ اما متناهية ان كانت الانفصالات الممكنة متناهية أو غير متناهية ان كانت الانفصالات الممكنة غير متناهية و كل ذلك قد أبطلناه فظهر من هذا ان الجسميتين الحاصلتين بعد الانفصال ما كانتا موجودتين فبل ذلك الانفصال بل حدثنا عند الانفصال و ان الجسمية الواحدة التي كانت موجودة قبل الانفصال ما بقيت بعد الانفصال و اما بان الكبرى فهو ان كل ما يوجد بعد عدم أو بعدم بعد وجود فان امكان عدمه و امكان وجوده سابق على عدمه و على وجوده و ذلك الامكان يستدعى محلا فاذا للجسمية محل فيه امكان وجودها و امكان عدمها و ذلك المحل هو الذي قامت الجسمية به فهذا ما عندى فى تقرير هذه الحجة و لقائل أن يقول أما المقدمة الاولى فممنوعة و الذي عولتم عليه فى اثباتها فغير صحيح لانه يوجب أن يكون تفريق الجسم اعداما له بالكلية و بيانه ان الجسم قبل ورود الانفصال عليه اما أن يقال ان مادته كانت واحدة أو ما كانت واحدة فان كانت واحدة فهى بعد ورود الانفصال على الجسم اما أن يقال انها بقيت واحدة أو ما بقيت واحدة و الأول باطل و الا لكان مادة كل واحد من الجزءين واحدة بالعدد فان كانت الجسمية الحالة فيها أيضا واحدة بالعدد كانت مادة كل واحدة من الجزءين فصورته عين مادة الجزء الآخر و صورته فيكون أحد الجزءين هو بعينه الآخر بالعدد هذا خلف و ان لم تكن الجسمية فقد حلت فى المادة الواحدة بالعدد صورتان من نوع واحد و ذلك محال لاستحالة اجتماع المثلين و أيضا يلزم تداخل البعدين و البعدان المتداخلان لا يزيد مقدارهما على الواحد منهما فيلزم أن يكون مقدار الجزء مساويا لمقدار الكل و لانا نعلم بالبديهة ان ذات أحد الجزءين مغايرة لذات الجزء الآخر و لو كانت مادتهما واحدة بالعدد لم يحصل هذا التغاير فثبت أن الجسم المتصل لو كانت مادتها واحدة بالعدد فانها بعد ورود الانفصال على الجسم لن أن يتعدد و اذا كان كذلك فقد تعددت المادة بعد ان كانت واحدة و ذلك يقتضى عدم تلك المادة التي كانت واحدة و حدوث المادتين المتجددتين فاذا تفريق الجسم يكون اعداما لصورته و لمادته فيكون تفريق الجسم اعداما له بالكلية و هذا مكابرة و أيضا فلو كان تعدد الجسمية بعد كونها واحدة يقتضى احتياج الجسمية الى مادة لكان تعدد المادة بعد كونها واحدة يقتضى احتياجها الى مادة أخرى ثم الكلام فيها كالكلام فى الأول و يلزم التسلسل و اما ان قيل ان الجسم المتصل ليست مادته واحدة بالعدد فهذا باطل لانه ان وجد لجسم واحد مادة واحدة فقد عاد الاشكال الأول و ان لم يكن كذلك كانت اعداد المواد التي للجسم بحسب الانقسامات الممكنة فيه فيجب أن يكون للجسم المتصل مواد غير متناهية بالفعل و حينئذ تكون الجسمية الحالة فى كل واحد منها غير الجسمية الحالة فى الاخرى ضرورة امتناع حلول الحال الواحد فى أكثر من محل واحد و على هذا يكون الجسم مؤلفا من أجزاء كل واحد منها لا يتجزأ و انه باطل و بتقدير صحته فانه يبطل أصل هذه الحجة لانه متى ثبت كون الجسم مؤلفا من الاجزاء التي لا تتجزأ لكان الانفصال عبارة عن تفرق الا جزاء و الاتصال عبارة عن تألفها و على هذا التقدير يكون الزائل و الطارئ
هو التفرق و التألف و المورد هو نفس تلك الاجزاء ثم ان وقعت المساعدة على ان الجسمية تزول عند عروض الانفصال فلم قلتم