شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٨ - (اشارة في أن الجسمية حالة في المحل
انه لا بد من محل قوله لان امكان الانفصال سابق على ذلك الانفصال و الامكان حكم ثبوتى فيستدعى محلا قلنا لا نسلم ان الامكان حكم ثبوتى و الاستقصاء فى بيان ذلك فى النمط الخامس و لنرجع الآن الى تفسير المتن أما قوله قد علمت ان للجسم مقدار ثخينا متصلا فاعلم ان حقيقة المقدار قد سبق بيانها ثم هاهنا شك لفظى و هو ان هذا الكلام انما يصح لو ثبت ان مقدار الجسم مغاير للجسم لانه لو كان نفسه لما صح أن يقال ان للجسم مقدارا ثخينا لامتناع أن يكون شيء حاصلا لنفسه لكن الشيخ لم يبين فيما مضى من هذا الكتاب ان مقدار الجسم مغاير لكونه جسما فكيف قال قد علمت ان للجسم مقدار او جوابه ما بينا انه متى لم يكن الجسم مؤلفا من الاجزاء التي لا تتجزأ وجب القطع بان مقدار الجسم زائد على ذاته فلما بين الشيخ ذلك المقدم كان بيانه له بيانا لذلك التالى بالقوة القريبة من الفعل فلا جرم انه جار له أن يقول قد علمت ان للجسم مقدارا و أما التجزئة فانه يقال بالاشتراك على أمرين أحدهما المقدار الذي يحتمل التجزئة فى ثلاث جهات و هذا المقدار يسمى ثخنا لانه حشو ما بين السطوح و هذا المعنى أحد أنواع الكم المتصل القار الذات و بهذا المعنى يكون كل جسم ثخينا و ثانيهما أن يؤخذ هذا المعنى مع اضافة عارضة له فيقال لبعض الاجسام انه ثخين و للبعض الآخر انه رفيق و بهذا الاعتبار لا يكون كل جسم ثخينا و اذا عرفت ذلك فنقول ان الكم المتصل القار الذات يسمى مقدارا و هو جنس تحته ثلاثة أنواع الخط و السطح و الجسم التعليمى فاذا قلنا الجسم له ثخن احتمل أن يكون المراد كل واحد من لهذه الثلاثة فاما اذا قلنا الجسم له مقدار ثخن خرج الخط و السطح من ذلك و أما المتصل فانه يقال بالاشتراك على معان ثلاثة أحدها المقدار الذي يمكن أن يفرض له أجزاء يجمع بينها حد مشترك هو نهاية لاحدهما و بداية للآخر و هذا المعنى هو الكم المتصل و هو الذي ينقسم جنس الكم اليه و الى المنفصل و ثانيها هو المقدار ان اللذان نهايتاهما واحدة بالفعل مثل الخط الذي يتصل بخط على زاوية تحدها نقطة واحدة هى طرف لهما و ثالثها ان الجسمين اذا كان حال أحدهما عند الآخر بحيث اذا تحرك أحدهما وجب أن يتحرك الآخر معه فانه يقال لاحدهما انه متصل بالآخر و اعلم ان المراد بالاتصال فى هذا الموضع هو الأول فان كان انما نقل اسمه من الاتصال على سبيل الاضافة اذا كان يتوهم له أجزاء فيما بينهما الاتصال الاضافى و اذا عرفت ذلك ظهر لك من هذا ان هذا الاتصال ليس هو نفس الجسمية بل الجسمية عبارة عن الامر الذي يلزمه هذا الاتصال فان هذا الاتصال من باب الكم و الجسم مغاير للمقدار بل هو الذي يلزمه قبول المقدار و اذا عرفت ذلك ظهر ان للجسم مقدارا ثخينا متصلا و انه ليس مركبا في نفسه عن الاجزاء بل هو فى نفسه شيء واحد و قد بينا ان مدار هذه الحجة على هذا الاصل و أما قوله و انه قد يعرض له انفصال و انفكاك فمعناه ظاهر و انما قال قد يعرض له انفصال احترازا عن الافلاك و أما قوله و تعلم ان المتصل بذاته غير القابل للاتصال و الانفصال قبولا يكون هو بعينه الموصوف بالامرين فمعناه ان الجسم المعين قبل ورود الانفصال عليه كان واحدا فى ذاته و كون تلك الجسمية بعينها واحدة داخلة فى قوام تلك الجسمية المعينة فان المشخصات و ان كانت خارجة عن ماهية الشخص الا انها تكون أجزاء من ذات الشخص من حيث هو ذلك الشخص فاذا الجسمية المعينة تكون واحدة بذاتها و هذا هو المراد بكونها متصلة بذاتها و اذا ثبت ذلك وجب أن لا تكون الجسمية المعينة قابلة للاتصال و الانفصال أما الاتصال فانها لو قبلت اتصالا آخر لكان قد اجتمع المثلان و انه محال و لانه لا يكون أحدهما بالمحلية و لآخر بالحالية أولى من العكس فيلزم أن يكون كل واحد منهما حالا و محلا و هو محال و أما الانفصال فلانه متى ظهر الانفصال فقد بطلت وحدة الاتصال السابق و شخصيته و متى بطلت وحدته و شخصيته فقد بطل ذلك الاتصال المعين و عدم و ما يجب عدمه عند حدوث الشيء و استحال أن يكون قابلا لذلك الشيء فثبت ان المتصل بذاته لا يعرض له الاتصال و الانفصال و أما قوله فاذا قرة هذا القبول غير وجود المقبول بالفعل و غير هيئته و صورته فاعلم ان تفسير
ذلك لا يتم الا بالبحث عن أمور ثلاثة أولها ان قوله فاذا قوة هذا القبول غير وجود المقبول مشعر بان هذه القضية نتيجة لقياس مضى ذكره فاين القياس المنتج لهذه النتيجة و ثانيها انه و ان كان حقا ان قوة قبول الشيء غير وجود المقبول لكنا لا نحتاج الى ذكر ذلك هاهنا المطلوب فى هذا الفصل اثبات المادة للجسمية فاذا بينا ان القابل للانفصال ليس هو الاتصال لزم وجود شيء آخر يكون هو قابلا للانفصال و الاتصال