بحوث في القرآن الحكيم - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٢ - العلم وموهبة العقل
من رؤيتنا او من اخبار احد بوجودها وما اشبه .. ولما نفتش عن اصل معرفة المقاييس العقلية نجد اننا نعرفها بصورة ذاتية ودون ان يكون لمعرفتها سبب خارجي ابداً. فمثلًا حين نريد ان نعلل علمنا بامتناع التناقض فنقول: ان التناقض مستحيل لأننا رأيناه، أم لان شخصاً قال لنا ذلك، ام لان ادلة علمية قامت على امتناعه، لا نجد أي واحد من هذه الفروض صحيحاً، بل نجد ان طبيعة هذا الكشف لا تحتاج الى دليل من الخارج، او بتعبير آخر لا يرتاب إنسان في مقاييسه العقلية، ولا يحتاج في كشفها الى اية حجة خارجية، وهذا افضل برهان على انها ذاتية.
ثانياً: لولا وجود المقاييس العقلية لانهار بناء العلم دفعة واحدة، إذ يعتمد العلم على تفسير الظاهرة بقاعدة عامة، فالعلم يقول: ان الضغط يولد الانفجار، ويكشف لنا عن اسباب انفجارات معينة بانها ضغوط قاسية.
حسناً؛ كيف استطعنا معرفة ان كل ضغط يولد الانفجار، ولم نلاحظ إلا بعض اقسام الضغط وبعض افراده فقط؟ وكيف جزمنا بان هذا الانفجار تولد من الضغط؟ اليس لاننا حين شاهدنا الف ضغط وفي ظروف مختلفة سبب كل منها الانفجار، عرفنا بمقاييسنا العقلية ان اية ضغوط مشابهة لما شاهدنا تولد الانفجار ايضاً. ولولا هذه المقاييس اذاً لم نقدر على الجزم بسبب أي انفجار، بل لم نكن نعرف ان للانفجار سبباً ما إذ وجود السبب ذاته- خاضع لمقاييس العقل الذي يقول ان لكل شيء سبباً ونتيجة.
فالنتيجة: ان قوة ايماننا بمعارفنا تدعنا نؤمن بعقولنا ايماناً قوياً لانها