بحوث في القرآن الحكيم - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٣ - الله في القرآن
وترى ما في الارض مسخرة لك ذليلة امامك. وفي البحار حيث تجري الفلك بأمر الله، ترى مدى النعمة عليك. ثم تنظر الى السماء فتخشى ان تنزل عليك، (وتتصادم نجومها) إلا ان الله امسكها عنك، فتسائل نفسك: افليس من احاطني بهذه النعم رؤوفاً رحيماً، ومن هو اوسع رحمة من الله؟
ان هذا النوع من البيان ليس طرازاً رفيعاً من الأدب الموجه فقط،- إن صادف ذلك- بل انه المنهج العلمي الذي يهدينا فعلًا الى الله الكبير. فنحن عاجزون، بطبيعة المحدودية التي بنا، عن ان نفكر في الخالق الذي لا تحيط به الحدود، فكان لابد ان ننظر الى المخلوقات التي نشترك واياها في المحدودية .. لنجعلها معبراً الى معرفة الخالق. التفكير انما هو في المحدود. وكلما تعمقنا في معرفة حدوده وآيات عجزه او سمات كماله .. توضح لدينا اكثر فاكثر صفة" المخلوقية فيه"، وبالطبع نهتدي هناك الى بعض آيات الله، لانه مباين مع مخلوقيه ..
فالمنهج القرآني يكرّس بيانه لمعرفة المخلوق، والنظر اليه وملاحظة جوانب الحاجة فيه، على ان ذلك معبر الى الله تعالى!
وهذا هو الطابع الذي يميز الحضارة القرآنية عن جاهليات الفلسفة الاغريقية التي تعمقت في ذات الله بعيداً عن النظر الى آياته، فضلّت ضلالًا بعيداً.
إن الله تعالى يقول لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ