سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٥١ - السادسة و الأربعون
تعالى شرفا، لم تكن لمن قبلنا، هذا هو الصحيح المشهور الذي قطع به أصحابنا كلّهم، و جماهير العلماء، و قاله الحافظ في الفتح، و جزم بذلك ابن حبيب، و غيره من المالكيّة، و نقله صاحب «العمدة» من الشافعية عن الجمهور و رجّحه، قال: و سمّيت ليلة القدر أي: ليلة الحكم، و الفصل، و قيل: لعظم قدرها، قال: و يراها من شاء اللّه تعالى من بني آدم، كما تظاهرت عليه الأحاديث، و أخبار الصالحين، قال: و أما قول المهلّب بن أبي صفرة الفقيه المالكي: لا يمكن رؤيتها حقيقة، فغلط. انتهى.
و قال مالك في «الموطّأ»: بلغني أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أري أعمار الناس قبله، أو ما شاء اللّه من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمّته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه اللّه تعالى ليلة القدر خيرا من ألف شهر.
روى الدّيلمي عن أنس رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «إنّ اللّه وهب لأمتي ليلة القدر، و لم يعطها أحدا ممن كان قبلكم».
و روى ابن أبي حاتم عن عروة رضي اللّه عنه قال: ذكر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوما أربعا من بني إسرائيل عبدوا اللّه تعالى ثمانين عاما لم يعصوه طرفة عين، فعجب الصحابة من ذلك، فأتاه جبريل، فقال: قد أنزل اللّه تبارك و تعالى عليك خيرا من ذلك ليلة القدر خيرا من ألف شهر، هذا أفضل من ذلك، فسرّ بذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و الناس معه.
و روى ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم من طرق، عن مجاهد رضي اللّه عنه، أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ذكر رجلا من بني إسرائيل كان يقوم الليل حتى يصبح، و يجاهد القوم بالنهار حتى يمسي، فعل ذلك ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك فأنزل اللّه تعالى هذه الآية:
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر ٣]، فقيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل ألف شهر.
قلت: أشار الحافظ في الفتح إلى تضعيف قول من قال: إنها خاصّة بهذه الأمة، قال:
و عمدة من قال بهذا القول أثر مالك إلى السابق، و هو محتمل للتأويل فلا يدفع التصريح من حديث أبي ذر عند النسائي قال: قلت يا رسول اللّه أ تكون مع الأنبياء، فإذا ماتوا رفعت أم هي باقية إلى يوم القيامة؟ قال: بل هي باقية إلى يوم القيامة.
قال شيخنا في شرح الموطّأ: و هذا الحديث الذي ذكره أيضا محتمل التأويل، و هو أن مراده هل يختص بزمن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أم ترفع بعد موته بقرينة مقابلة ذلك بقوله: أم هي باقية إلى يوم القيامة، فلا يكون فيه معارضة لأثر الموطّأ.
و قد ورد ما يعضّده، ففي فوائد أبي طالب المكي من حديث أنس رضي اللّه عنه «أن اللّه تعالى وهب لأمّتي ليلة القدر و لم يعطها من كان قبلهم».