سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣١١ - الثامنة و التسعون
و التعظيم صلّى اللّه و سلم عليهما. فإن قيل: قد ذكر باسمه في قوله تعالى: وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف ٦] وَ آمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ [محمد ٢] وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ [آل عمران ١٤٤] مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح ٢٩] ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ [الأحزاب ٤٠] و غير ذلك فكيف يتم ما تقدم؟ فالجواب أنّه إنّما ذكر باسمه للتعريف بأنه الذي أخذ اللّه عهده على الأنبياء بالإيمان به، و لو لم يسمّه لم يعرفوه بذلك و النّداء إنّما هو بالإجلال و التعظيم، و التسمية في مقام الخبر، فإن قيل: فقد ناداه ب: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [المزمل ١] و ب: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر ١] فالجواب: أن هذا من باب التلطيف و الرّفق.
و قال الإمام العلامة جمال الدين محمود بن محمد بن جملة: إن قيل: و الحكمة في التصريح باسمه في حديث الأعمى الذي علّمه النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يسأل ربّه برفع العمى عنه فعلّمه أن يقول: «اللهم إنّي أتوجّه إليك بنبيّك محمد نبيّ الرحمة، يا محمد، إني قد توجّهت بك إلى ربّي في حاجتي» إلى آخره فيمكن أن يقال في الأول: إنه إنما كان كذلك، لأنه لما كان التّعليم من جهته تواضع لربّه فصرّح باسمه إلى آخره.
و أما الثاني: فلم يذكر الاسم فيه إلا مقترنا بالتّعظيم، و هو وصفه للنبي بالرحمة، إذ المقام يقتضي ذلك، و ظهر لي هاهنا معنى حسن و هو أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوم القيامة إذا ألجم النّاس العرق و سألوا عن من يشفع لهم إلى ربّهم فسألوا آدم فمن بعده إلى أن ينتهوا إلى عيسى، فيقول: اذهبوا إلى محمد، فإنّه عبد غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه و ما تأخّر، فذكره باسمه الدّالّ على الصّفة التي يحمده بها جميع الخلائق، و كأنّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في المقام المحمود الذي يطلب فيه الشفاعة له علّمهم أن يذكروا هذا الاسم الذي هو صفته في عرصات القيامة، و لهذا قال في آخره: اللهم فشفّعه فيّ و حين يأتي في ذلك اليوم، و يخرّ لربّه ساجدا، يقول له ربّه سبحانه و تعالى: يا محمد ارفع رأسك، و قل تسمع إلى آخره فيناديه سبحانه و تعالى باسمه يا محمد، لما تقدم من المعنى، و في الدنيا يناديه البارئ تعالى ب: يا أَيُّهَا النَّبِيُ يا أَيُّهَا الرَّسُولُ فانظر إلى هذا التعظيم العظيم ينادي في كلّ مقام بأشرف تعظيم يناسبه ذلك المقام ففي الدنيا بالنبوة و الرسالة يشهد له بهما، و في الآخرة لمّا تحقّق الخلائق ناداه باسمه لما اشتمل عليه من المعنى المناسب لذلك المقام، و خصّ هذا الاسم من بين الأسماء، ليشهد له أيضا سبحانه و تعالى بما دلّ عليه من المعنى المناسب لذلك اليوم و كيفا سبحانه و تعالى بما دلّ على صفة يحمده بها الخلق ليستدلّ بالنّداء بها (صلّى اللّه عليه و سلّم) على قبول شفاعته ثم عقّب ذلك سبحانه و تعالى بقوله: قل تسمع، و اشفع تشفّع، و سل تعطه فهو تكريم بعد تكريم، و تعظيم بعد تعظيم، و تفخيم بعد تفخيم.