سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٩٢ - تنبيه
[ ()] الجميل و يخوّفهم بالعذاب الوبيل، لا يكون حثّه على وجه الحكمة، فالوعد و الوعيد نظرا إلى الفصاحة واجب. ثم إن الوعد بما يرغب فيه العقلاء، و ذلك منحصر في أمور: الأماكن الطيبة، ثم المآكل الشهيّة، ثم المشارب الهنية، ثم الملابس الرفيعة ثم المناكح اللذيذة، ثم ما بعده مما يختلف فيه الطباع، فإذن ذكر الأماكن الطيبة و الوعد به لازم عند الفصيح، و لو تركه لقال من أمر بالعبادة و وعد عليها بالأكل و الشرب: إن الأكل و الشرب لا ألتذّ به، إذا كنت في حبس أو موضع كريه، فإذن ذكر اللّه الجنة و مساكن طيبة فيها، و كان ينبغي أن يذكر من الملابس ما هو أرفعها، و أرفع الملابس في الدنيا الحرير، و أما الذهب فليس مما ينسج منه ثوب. ثم إن الثوب الذي من غير الحرير لا يعتبر فيه الوزن و الثقل، و ربما يكون الصفيق الخفيف أرفع من الثقيل الوزن، و أما الحرير فكلما كان ثوبه أثقل كان أرفع، فحينئذ وجب على الفصيح أن يذكر الأثقل الأثخن، و لا يتركه في الوعد لئلا يقصر في الحث و الدعاء. ثم هذا الواجب الذكر، إما أن يذكر بلفظ واحد موضوع له صريح، أو لا يذكر بمثل هذا، و لا شكّ أنّ الذكر باللفظ الواحد الصريح أولى، لأنه أوجز و أظهر في الإفادة، و ذلك «إستبرق» فإن أراد الفصيح أن يترك هذا اللفظ، و يأتي بلفظ آخر لم يمكنه، لأنّ ما يقوم مقامه إما لفظ واحد أو ألفاظ متعددة، و لا يجد. العربيّ لفظا واحدا يدّل عليه، لأنّ الثياب من الحرير عرفها العرب من الفرس، و لم يكن لهم بها عهد، و لا وضع في اللغة العربية للدّيباج الثخين اسم، و إنما عرّبوا ما سمعوا من العجم و استغنوا به عن الوضع لقلّة وجوده عندهم و نزرة تلفظهم به، و أما إن ذكره بلفظين فأكثر، فإنه يكون قد أخّل بالبلاغة، لأنّ ذكر لفظين لمعنى يمكن ذكره بلفظ تطويل، فعلم بهذا أن لفظ «إستبرق» يجب على كلّ فصيح أن يتكلم به في موضعه و لا يجد ما يقوم مقامه، و أيّ فصاحة أبلغ من أن لا يوجد غيره مثله!. انتهى.
و قال أبو عبيد القاسم بن سلام بعد أن حكى القول بالوقوع عن الفقهاء و المنع عن العربية: و الصواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا، و ذلك أن هذه الأحرف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء، لكنها وقعت للعرب، فعربتها بألسنتها و حوّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها، فصارت عربية، ثم نزل القرآن و قد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال إنها عربية فهو صادق، و من قال: أعجمية فصادق. و مال إلى هذا القول الجواليقي و ابن الجوزيّ و آخرون.
و هذا سرد الألفاظ الواردة في القرآن من ذلك مرتبة على حروف المعجم:
(أباريق): حكى الثعالبيّ في فقه اللغة أنها فارسية، و قال الجواليقيّ: الإبريق فارسي معرب، و معناه طريق الماء أو صبّ الماء على هينة.
(أبّ): قال بعضهم: هو الحشيش بلغة أهل الغرب حكاه شيذلة.
(ابلعي): أخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه في قوله تعالى: ابْلَعِي ماءَكِ قال: بالحبشية «أزدرديه». و أخرج أبو الشيخ من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه قال: اشربي بلغة الهند.
(أخلد): قال الواسطيّ في الإرشاد: أخلد إلى الأرض، ركن بالعبرية.
(الأرائك): حكى ابن الجوزيّ في فنون الأفنان، أنها السّرر بالحبشية.
(آزر): عدّ في المعرب على قول من قال: إنه ليس بعلم لأبي إبراهيم و لا للصم. و قال ابن أبي حاتم: ذكر عن معتمر بن سليمان قال: سمعت أبي يقرأ»: و إذ قال إبراهيم لأبيه آزرُ (١) يعني بالرفع، قال: بلغني أنها أعوج و أنها أشدّ كلمة قالها إبراهيم لأبيه و قال بعضهم: هي بلغتهم يا مخطئ.
(أسباط): حكى أبو الليث في تفسيره أنّها بلغتهم كالقبائل بلغة العرب.
(إستبرق): أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك أنه الديباج الغليظ، بلغة العجم.
(أسفار): قال الواسطيّ في الإرشاد: هي الكتب بالسريانية، و أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: هي الكتب بالنّبطية.
(إصري): قال أبو القاسم في لغات القرآن: معناه عهدي بالنّبطية.
(أكواب): حكى ابن الجوزي أنها الأكواز بالنّبطية. و أخرج ابن جرير عن الضحاك أنها بالنبطية جرار ليست لها عرى.
(إلّ): قال ابن جني: ذكروا أنه اسم اللّه تعالى بالنّبطيّة.
(أليم): حكى ابن الجوزيّ أنّه الموجع بالزنجية. و قال شيذلة: بالعبرانية.
(إناه): نضجه بلسان أهل المغرب، ذكره شيذلة، و قال أبو القاسم: بلغة البربر، و قال في قوله تعالى: حَمِيمٍ آنٍ: