سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٤٤ - الرابعة
قوله: «مسجدا» يعني موضع سجوده، و هو وضع الجبهة على الأرض، لا يختصّ السجود منها بموضع دون غيره، و يحتمل أن يكون مجازا عن المكان المبنيّ للصلاة، و هو من مجاز القرآن، لأنه لما جازت الصلاة في جميعها كانت كالمسجد، قال الخطّابي و القاضي:
من كان قبل نبيّنا (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الأنبياء إنما أبيحت لهم الصلاة في أماكن مخصوصة كالبيع و الصّوامع، و يؤيّده
رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عند أحمد، بلفظ: «و كان ممّا قبلي إنما كانوا يصلّون في كنائسهم»
و هذا نصّ في موضع النّزاع، فثبتت الخصوصيّة، و يؤيّده ما أخرجه البزّار من حديث
ابن عباس رضي اللّه عنه نحو حديث جابر و فيه: «و لم يكن أحد من الأنبياء يصلّي حتى يبلغ محرابه».
الرابعة:
و بالوضوء في أحد القولين، و هو الأصحّ، فلم يكن إلا للأنبياء دون أممهم، و به جزم الحليميّ (رحمه اللّه تعالى)، و استدل له
بحديث الصحيحين «إنّ أمّتي يدعون يوم القيامة غرّا محجّلين من آثار الوضوء»
و ردّ بأن الذي اختصّت به الغرّة و التّحجيل لا أصل الوضوء، كيف، و في الحديث:
«هذا وضوئي و وضوء الأنبياء من قبلي».
قال الحافظ: و الجواب أنّ هذا الحديث ضعيف، و على تقدير ثبوته يحتمل أن يكون الوضوء من خصائص الأنبياء دون أممهم إلا هذه الأمة.
قال الشيخ: هذا الاحتمال قد ورد ما يؤيّده فقد تقدم في باب ذكره في التّوراة و الإنجيل في صفة أمّته (صلّى اللّه عليه و سلّم) يوضئون أطرافهم رواه أبو نعيم عن ابن مسعود مرفوعا و الدّارميّ عن كعب الأحبار و البيهقي عن وهب: «افترضت عليهم أن يتطهّروا في كل صلاة، كما افترضت على الأنبياء».
ثم رأيت
الطبرانيّ روى في الأوسط بسند فيه ابن لهيعة عن بريدة قال: دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بوضوء فتوضّأ واحدة واحدة، ثم قال: «هذا وضوء لا يقبل اللّه تعالى الصلاة إلا به» ثم توضّأ مرتين مرتين فقال: «هذا وضوء الأمم قبلكم»، ثم توضّأ ثلاثا ثلاثا، فقال: هذا وضوئي و وضوء الأنبياء قبلي».
و في هذا تصريح بكون الوضوء للأمم السابقة، نعم فيه خصوصيّة لنا عنهم و هو التّثليث كما كان للأنبياء، و يرشد إلى ذلك قول ابن سراقة: خصّوا بكمال الوضوء.
قلت: الصحيح بخلاف ما صححه الشيخ في الصّغرى، و خلاف احتمال الحافظ، ففي البخاري في قصّة سارة مع الملك الذي أعطاها هاجر، أن سارة لما همّ الملك بأن يدنو منها، قامت تتوضأ، و في قصة جريج فيه أيضا أنه قام فتوضّأ ثم كلّم الغلام.
و روى الإمام أحمد من طريق زيد العمي عن ابن عمر أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: «من