سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣١٦ - تنبيه
[أ فباللّه الذي أرسلك، أهو أرسلك بما تقول؟ قال: «نعم ...» الحديث.
و روى النسائي نحوه مختصرا.
و روى البزّار برجال الصحيح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: أتت الصباء الشمال ليلة الأحزاب فقالت: مرّي حتى تنصري رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقالت الشمال: إن الحرّة لا تسري بالليل و تقدم الحديث في غزوة الخندق.
و قوله: «مسيرة شهر» مفهومه أنه لا يوجد لغيره النّصر بالرّعب في هذه المدة و لا في أكثر منها، أما ما دونها فلا، لكن
في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن الإمام أحمد: «و نصرت على العدوّ بالرّعب و لو كان بيني و بينهم مسيرة شهر»
فالظاهر اختصاصه بها مطلقا.
و روى ابن أبي شيبة في مسنده، و أبو يعلى عن أبي موسى رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أعطيت فواتح الكلم، و جوامعه و خواتمه».
قال الحافظ: و إنما جعل الغاية شهرا لأنه لم يكن بين بلده و بين أحد من أعدائه أكثر منه.
و قال تلميذه الخضري: و هذا فيه نظر، بل دعوته بلغت أطراف البلاد البعيدة مما مسيرته أكثر من شهر، و كلّ من لم يجبه إلى الإسلام، فهو عدوّه اللهم إلا أن تحمل العداوة على من راسله و استمر على المخالفة و المنابذة. قلت: الظاهر أنّ مراد الحافظ بالعداوة هنا من تصدّى لقتال، و اللّه تعالى أعلم.
و هذه الخصوصية حاصلة له (صلّى اللّه عليه و سلّم) على الإطلاق حتى لو كان وحده بغير عسكر، و يرحم اللّه البوصيري حيث قال:
كأنّه و هو فرد من جلالته* * * في عسكر حين تلقاه و في حشم
تنبيه:
في حديث جابر و أبي هريرة رضي اللّه عنهما مسيرة شهر و في حديث لابن عباس مسيرة شهرين و الرواية الأولى مقدمة على الثانية بالصّحّة. قلت: لا مخالفة بينهما.
قال محمد بن شهاب الزّهري: بلغني أن [إيتاءه (صلّى اللّه عليه و سلّم) جوامع الكلم] أن جوامع الكلم أن يجمع اللّه تعالى له الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد و الأمرين و قال الهروي: هي القرآن، جمع اللّه فيه الألفاظ الشهيرة من المعاني الكثيرة و كلامه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان بالجوامع قليل اللفظ كثير المعاني و من تأمّل الأحاديث الصحيحة ظهر له ذلك و قد ذكرت شيئا من ذلك في باب فصاحته (صلّى اللّه عليه و سلّم).
قال الإمام القاضي أبو بكر محمد بن أبي الوليد أحمد بن عيسى بن حجاج الأشبيلي