سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٠٥ - السادسة و الثمانون
و ابن حزم و الشيخ قال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان ١] العالمون شامل للملائكة كما هو شامل للإنس و الجنّ، و قد أجمع المفسّرون على أن قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة ٢] شامل لهؤلاء الثّلاثة، فكذلك هذا، و الأصل بقاء اللفظ على عمومه حتى يدلّ الدليل على إخراج شيء منه، و لم يدلّ هنا دليل على إخراج الملائكة، و لا سبيل إلى وجوده، لا من القرآن و لا من الحديث، و قد نوزع من ادّعى الإجماع على عدم إرساله إليهم، فمن أين تخصيصه بالإنس و الجن فقط دون الملائكة؟ و كذا قوله تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء ١٠٧] فإنه شامل للملائكة و مما يدلّ على ذلك قوله تعالى: وَ قالُوا: اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء ٢٦] يعني الملائكة لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ، وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ: إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ [الأنبياء ٢٧، ٢٨، ٢٩].
كذلك روى ابن أبي حاتم عن الضّحّاك في قوله: وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ قال: يعني الملائكة.
و روى ابن المنذر نحوه عن ابن جريج رضي اللّه عنه و في حديث ابن عباس فهذه الآية إنذار للملائكة على لسان النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلّم) في القرآن الّذي أنزل عليه و قد قال تعالى وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ [الأنعام ١٩] قال الشيخ و لم أقف إلى الآن على إنذار، وقع في القرآن للملائكة سوى هذه الآية. و الحكمة في ذلك واضحة، لأنّ غالب المعاصي راجعة إلى البطن و الفرج، و ذلك يمتنع عليهم من حيث الخلقة فاستغنى عن إنذارهم فيه، و لمّا وقع من إبليس، و كان منهم على ما رجحه غير واحد، منهم النوويّ أو فيهم نظير هذه المعصية أنذروا فيها، و قد أفرد الشيخ (رحمه اللّه تعالى) الكلام على هذه المسألة مؤلفا سماه «تزيين الأرائك في إرسال النبي إلى الملائك» بسط فيه الأدلّة، فليراجعه من أراده.
أعطى اللّه تعالى محمدا (صلّى اللّه عليه و سلّم) من الملائكة أمورا لم يعطها أحد من الأنبياء، و قال الشيخ جلال الدين المحلّي في شرح «جمع الجوامع»، و في تفسير الإمام الرازي و البرهان للنّسفي: حكاية الإجماع في تفسير الآية الثانية، يعني آية الفرقان على أنّه لم يكن مرسلا إليهم و عبارة الإمام قالوا: هذه الآية تدلّ على أحكام.
الأول: أنّ العالم كلّ ما سوى اللّه فيتناول جميع المكلّفين من الجنّ و الإنس و الملائكة لكنّا أجمعنا على أن قوله «أجمعنا» ليس صريحا في إجماع الأمّة، لأن مثل هذه العبارة تستعمل لإجماع الخصمين المتناظرين بل لو صرّح به لمنع فقد قال الإمام السّبكي في جواب السّؤال