سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٨ - الباب العاشر في معجزاته (صلّى اللّه عليه و سلّم) في إبراء الجنون
رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فنزلنا منزلا، فأقبلت امرأة بابن لها، فقالت: يا نبيّ اللّه ما كان في الحيّ غلام أحبّ إليّ من ابني هذا، فأصابته الموتة، فأنا أتمنّى موته، فادع اللّه له، فأدنى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الغلام منه، ثم قال: «باسم اللّه، أنا رسول اللّه، اخرج عدوّ اللّه»، ثلاثا، ثم قال: «اذهبي بابنك لن تري بأسا إن شاء اللّه»، ثم رجعنا، فجاءت أمّ الغلام، فقالت: و الذي بعثك بالحقّ ما زال من أعقل غلمان الحيّ.
و روى أحمد بن منيع عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنّ امرأة جاءت بولدها إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقالت: يا رسول اللّه، إنّ ابني هذا به جنون، و إنّه يأخذه عند غدائنا و عشائنا فيفسد علينا قال: فمسح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) صدره و دعا له فثغّ ثغّة فخرج من فيه. و في لفظ: من منخره مثل الجرو الأسود فشفي.
و روى الإمام أحمد و ابن أبي شيبة و أبو نعيم عن أمّ جندب قالت: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لما انصرف من جمرة العقبة جاءته امرأة و معها ابن لها به مسّ قالت: يا نبي اللّه، هذا به بلاء لا يتكلم، فأمرها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فجاءت بتور من حجارة فيه ماء فأخذه فمجّ فيه، و دعا فيه و أعاده فيه ثم أمرها، فقال: «اسقيه و اغسليه فيه» قال: فتبعتها، فقلت: صبّي لي من هذا الماء، قالت: خذي منه، فأخذت منه جفنة فسقيته ابني عبد اللّه فعاش فكان من برّه ما شاء اللّه أن يكون، و لقيت المرأة فزعمت أن ابنها برئ و عقل عقلا ليس كعقول الناس [١].
و روى إسحاق بن راهويه و ابن أبي شيبة عن جابر رضي اللّه عنه أنه خرج مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في سفر، فإذا نحن بامرأة قد عرضت لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) معها صبيّ تحمله، فقالت: يا رسول اللّه، إنّ ابني هذا يأخذه الشيطان كلّ يوم ثلاث مرات لا يدعه فوقف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فتناوله فجعله بينه و بين مقدّمة الرجل، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «اخسأ عدوّ اللّه أنا رسول اللّه» ثلاثا ثم ناولها إيّاه فلما رجعنا عرضت لنا المرأة كبشان تقودهما، و الصّبيّ تحمله فقالت: يا رسول اللّه، اقبل منّي هذين، فو الذي بعثك بالحقّ، ما عاد إليه بعد، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «خذوا أحدهما» [٢].
و روى الإمام أحمد و ابن سعد و الحاكم و صححه عن يعلى بن مرّة قال: سافرت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى مكة فرأيت منه شيئا عجبا فذكر الحديث، و فيه: فأتته امرأة فقالت: يا نبيّ اللّه إن ابني هذا به لمم منذ سبع سنين يأخذه في كل يوم مرتين فقال: «أدنيه»، فتفل في فيه و قال: «اخرج عدوّ اللّه، أنا رسول اللّه»، ثم قال لها: «إذا رجعنا فأعلمينا ما صنع» فلما
[١] البيهقي في الدلائل ٥/ ٤٤٤.
[٢] أخرجه الدارمي ١/ ١٠ و ابن عبد البر في التمهيد ١/ ٢٢٣.