أُصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٦ - ٢ الإضلال فرع البيان
فإن قلت: ما هو المراد من إضلاله سبحانه، فإنّ الإضلال أمر قبيح فكيف نسب إلى اللّه سبحانه؟
قلت: إنّ الإضلال يقابل الهداية، وهي على قسمين، فيكون الإضلال أيضاً مثلها.
توضيحه: انّ للّه سبحانه هدايتين:
هداية عامّة تعمّ جميع الناس من غير فرق بين إنسان دون إنسان حتى الجبابرة والفراعنة، وهي تتحقق ببعث الرسل وإنزال الكتب ودعوة العلماء إلى بيان الحقائق، مضافاً إلى العقل الذي هو رسول باطني، وإلى الفطرة التي تسوق الإنسان إلى فعل الخير.
وهداية خاصّة وهي تختص بمن استفاد من الهداية الأُولى، فعندئذ تشمله الألطاف الإلهية الخفية التي نعبر عنها بالهداية الثانوية أو الإيصال إلى المطلوب.
قال سبحانه: (وَالّذينَ اهتَدُوا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ) .[ ١ ]
وقال تعالى: (وَالّذينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلنا) .[ ٢ ]
وأمّا إذا لم يستفد من الهداية الأُولى، فلا يكون مستحقاً للهداية الثانية، فيضلّ بسبب سوء عمله، فإضلاله سبحانه، كناية عن الضلال الذي اكتسبه بعمله بالإعراض من الاستضاءة بالهداية الأُولى.
قال سبحانه: (فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللّهُ قُلوبَهُمْ وَاللّهُ لا يَهْدِي القَوم الفاسِقين)[ ٣ ] فإضلاله سبحانه كإزاغته نتيجة زيغهم وإعراضهم وكِبْرهم وتولّيهم عن الحقّ.
[١] محمد: ١٧.
[٢] العنكبوت:٦٩.
[٣] الصف: ٥.