أُصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠١ - الثالثة إنشاء الحكم فيما لا نصّ فيه على وفق المصلحة
الأمثلة، كإنشاء الدواوين أو سكّ النقود، وتكثير الجنود وغيرها فالمنصوص، هو حفظ بيضة الإسلام، للحيلولة دون غلبة الكفار. قال سبحانه: (وأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِباطِ الخَيْل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوّ اللّه وَعَدوّكُمْ).[ ١ ] وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه».[ ٢ ]
فعند ذلك فالحكم المنشأ على وفق المصلحة ليس حكماً شرعياً أوّلياً، ولا حكماً شرعياً ثانوياً وإنّما هو حكم ولائي نابع من ولاية الحاكم على إجراء القانون المنصوص عليه على صعيد الحياة وفقاً للمصالح، ما لم يخالف تشريع الكتاب والسنّة فقد سُمِح للحاكم وضع هذه الضوابط والمقررات ضمن «إطار خاص» لأجل تطبيق الأحكام الكلية على صعيد الحياة فهي لازمة الاتّباع مادامت تضمن مصلحة الأُمة فيدوم مادام الحكم مقروناً بالمصلحة، فإذا فقد الملاك ينتفي.
والأولى تسمية هذا النوع من الأحكام بالمقررات، لتمييزها عن الأحكام الشرعية المجعولة الصادرة من ناحية الشرع.
فلو أُريد كون الاستصلاح مبدأ لهذا النوع من الحكم، فهو صحيح لكن يبدو انّه غير مراد للقائلين بكونه من مبادئ التشريع ومصادره.
الثالثة: تشريع الحكم حسب المصالح والمفاسد العامة الذي اتّفق عليه العقلاء، فلو افترضنا انّ موضوعاً مستجدّاً لم يكن له نظير في عصر النبي والأئمّة المعصومين، لكن وجد فيه مصلحة عامة للمسلمين أو مفسدة لهم، فالعقل يستقل بارتكاب الأُولى والاجتناب عن الثانية، فالعقل عندئذ لا يكون مشـرِّعاً بل كاشفاً عن حكم شرعي دون أن يكون للمجتهد حقّ التشريع. وذلك كتعاطي المخدّرات فقد اتّفق العقلاء على ضررها وإفسادها الجسم والروح، فيكون العقل
[١] الأنفال: ٦٠.
[٢] الوسائل: الجزء ١٧، الباب ١ من أبواب موانع الإرث، الحديث ١١.