أُصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٢٧ - ٥ فتح الذرائع أو إعمال الحيل الشرعية
المكر والخداع كان ماكراً مخادعاً، ويكفي هذا الحديث وحده في إبطال الحيل، ولهذا صدر به حافظ الأُمّة محمد بن إسماعيل البخاري إبطال الحيل، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبطل ظاهر هجرة مهاجر أُمّ قيس بما أبطنه ونواه من إرادة أُمّ قيس.[ ١ ]
الرابع: إنّ ابن القيّم الّذي أفاض الكلام في القاعدة حاول أن يبرّئ ساحة أئمّة المذاهب الأربعة عن تجويز الحيل الشرعية وقال في ذلك: إنّ هؤلاء المحتالين الّذين يُفتون بالحيل الّتي هي كفر أو حرام ليسوا مقتدين بمذهب من أحد الأئمّة، وأنّ الأئمّة أعلم باللّه ورسوله ودينه وأتقى له من أن يُفتوا بهذه الحيل، وقد قال أبو داود في مسائله: سمعت أحمد وذكر أصحاب الحيل: يحتالون لنقض سنن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ! وقال في رواية أبي الحارث الصانع: هذه الحيل الّتي وضعوها عمدوا إلى السنن واحتالوا لنقضها، والشيء الّذي قيل لهم إنّه حرام احتالوا فيه حتّى أحلُّوه، قالوا: الرهن لا يحل أن يستعمل، ثمّ قالوا: يحتال له حتّى يستعمل، فكيف يحل بحيلة ما حرّم اللّه ورسوله؟ وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) :«لعن اللّه اليهود حرمت عليهم الشحوم فأذابوها فباعوها وأكلوا ثمنها» أذابوها حتّى أزالوا عنها اسم الشحم.[ ٢ ]
يلاحظ عليه: أنّه كيف يقول إنّ القول بالحيل كفر أو حرام وليس بمقتد بمذهب أحد من الأئمّة، وهذا هو الإمام أبو حنيفة قد أبدع هذه القاعدة أو روّجها، فكيف ينزّهه عنها وقد عرفت كلام البخاري في الرد عليه؟!
الخامس: أنّ القول بالحيل الشرعية نابع عن أحد أمرين:
١. نفي المناطات والملاكات المقصودة من الأحكام الشرعية حتّى يكون الإنسان مكلّفاً بالألفاظ والصور لا إلى المعاني والمقاصد.
[١] إعلام الموقعين:٣/١٧٦.
[٢] إعلام الموقعين:٣/١٩١.