أُصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١٨ - الثاني حكم العقل
وثانياً: أنّه لا ملازمة بين حرمة الشيء وحرمة مقدّمته، بل لا مانع من حرمة الشيء وحلّية مقدّمته، وليس فيه أي نقض للتحريم، إذ ليس معنى الإباحة، هو الإلزام بإتيان المقدّمة، بل معناها هو كون المكلّف مختاراً بين الفعل والترك، ولكن لو أتى بها يعاقب لأجل إتيان ذيها ، لا لإتيانها ولذلك يشترط في المقدّمة عدم التنافي بين حكمها وحكم ذيها، بأن يكون الشيء حراماً وذريعته واجبة، إذ مثل هذا يعدّ نقضاً للتحريم، دون ما إذا كانت مباحة، فإنّه وإن لم يكن في هذه الحالة إلزام شرعي بتركها، بل الفعل والترك سيان عنده، لكن العقل يوجّهه ويرشده إلى ما هو فيه الصلاح، ويدعوه من باب النُّصح إلى ترك الذريعة خوفاً من الوقوع في الحرام.
وثالثاً: يمكن أن يقال انّ تحريم المقدّمة، تحريماً غيريّاً أمر لغو، وذلك لأنّ حرمة المقدّمة حرمة غيرية، والتحريم الغيري لا يترتّب عليه ثواب ولا عقاب، وعندئذ يُصبح تحريم المقدّمة أمراً لا طائل تحته، وذلك: لأنّ الغرض من الإيجاب المولوي ـ فيما إذا كانت مقدّمة للواجب ـ هو جعل الداعي وإحداثه في ضمير المكلّف، لينبعث ويأتي بالمتعلّق، مع أنّه إمّا غير باعث، أو غير محتاج إليه، فإنّ المكلّف إن كان بصدد الإتيان بذي المقدّمة، فالأمر النفسي الباعث إلى ذيها باعث إليها أيضاً، ومعه لا يحتاج إلى باعث آخر بالنسبة إليها. وإن لم يكن بصدد الإتيان بذيها وكان مُعرِضاً عنه، لما حصل له بعث بالنسبة إلى المقدّمة.
والحاصل: أنّ الأمر المقدّمي يدور أمره بين اللغوية إذا كان المكلّف بصدد الإتيان بذيها ، و عدم الباعثية وإحداث الداعوية أبداً، إذا لم يكن بصدد الإتيان بذيها.
هذا، وأيّة فائدة لبعث لا يترتّب عليه ثواب ولا عقاب؟!
ومنه يعلم حكم مقدّمة الحرام حذوا النعل بالنعل.