أُصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٤ - نتائج البحث
مثلاً انّ الخاص يقدّم على العام، والمقيّد على المطلق، والنص على الظاهر المخالف، وأحكام العناوين الثانوية كالضرر والحرج على أحكام العناوين الأوّلية وغير ذلك، فتقديم أيّ دليل على آخر يجب أن يكون داخلاً تحت أحد هذه الملاكات وأمثالها ممّا قرّر في مبحث تعارض الأدلّة وترجيحها، لاتحت عنوان الاستحسان، وعلى هذا لو فسروا الاستحسان بمعنى تقدم أحدالدليلين على الدليل الآخر بملاك موجب له، لاتّفقت الشيعة أيضاً معهم.
وممّا يرشد إلى ذلك انّ الأُستاذ «أبو زهرة» يعرف القياس ويقسمه إلى قسمين: أحدهما: استحسان القياس، والآخر: استحسان سبب معارضة القياس، ويمثل للقسم الأوّل بقوله: أن يكون في المسألة وصفان يقتضيان قياسين متباينين أحدهما ظاهر متبادر وهو القياس الاصطلاحي، والثاني خفي يقتضي إلحاقها بأصل آخر فتسمى هنا استحساناً، مثل انّ المرأة عورة من قمة رأسها إلى قدميها، ثمّ أُبيح النظر إلى بعض المواضع للحاجة، كرؤية الطبيب، فأعملت علّة التيسير هنا في هذا الموضع.[ ١ ]
إنّ الأُستاذ و إن أصاب في تقديم الدليل الثاني على الأوّل ولكنّه لم يذكر وجهه، فانّ المقام داخل تحت العناوين الثانوية فتقدم على أحكام العناوين الأوّلية، فقوله سبحانه: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)[ ٢ ] يدلّ على أنّ كلّ حكم حرجي مرفوع في الإسلام وغير مشرّع، فلو افترضنا انّ بدن المرأة عورة كلّه يجب عليها ستره، لكن هذا الحكم يختص بغير حالة الضرورة، وذلك لتقدم
[١] أُصول الفقه: ٢٤٧ـ ٢٤٩.
[٢] الحج: ٧٨.