الكامل في التاريخ - ط دار صادر و دار بیروت - ابن الأثير، عزالدین - الصفحة ٤٦٨ - ذكر الخبر عن الذي هيج أمر القادسية ، وملك يزدجرد
وقالوا : وأما ما ضربتَ لنا من الأمثال فليس كذلك ولكن إنما مثلكم كمثل رجل غرس أرضاً واختار لها الشجر وأجرى إليها الأنهار ، وزينها بالقصور ، وأقام فيها فلاحين يسكنون قصورها ويقومون على جناتها ، فخلا الفلاحون في القصور على ما لا يحبّ فأطال إمهالهم فلم يَسْتَحْيِوا ، فدعا إليها غيرهم وأخرجهم منها ، فإن ذهبوا عنها تخطفهم الناس ، وإنْ أقاموا فيها صاروا خولا لهؤلاء فيسومونهم الخسف أبداً ؛ والله لو لم يكن ما نقول ، حقاً ولم يكن إلا الدنيا لما صبرنا عن الذي نحن فيه من لذيذِ عيشكم ورأينا مِنْ زبرجكم ولقارعناكم عليه !
فقال رستم : أتعبرون إلينا أم نعبر إليكم ، فقالوا : بل اعبروا إلينا .
ورجعوا من عنده عشيّاً ، وأرسل سعدٌ إلى الناس أن يقفوا مواقفهم ، وأرسل إليهم شأنكم والعبور فأرادوا القنطرة فقال : لا ولا كرامة أما شيء غلبناكم عليه فلن نرده عليكم . فباتوا يسكرون العتيق حتى الصباح بالتراب والقصب والبراذع حتى جعلوه طريقاً واستتم بعدما ارتفع النهار .
ورأى رستم من الليل كأنَ مَلَكاً نزل من السماء فأخذ قسيّ أصحابه فختم عليها ثم صد بها إلى السماء ، فاستيقظ مهموماً واستدعى خاصّته فقصّها عليهم ، وقال : إنّ الله ليعظُنا لو اتّعظنا . ولما ركب رستم ليعبر كان عليه درعان ، ومغفر ، وأخذ سلاحه ، [ وأمر بفرسه فأسرج فأتىِ به ] فوثب فإذا هو على فرسه ولم يضع رجله في الركاب ، وقال : غداً نَدُقهُم دَقّا :
فقال له رجل : إن شاء الله ، فقال : وإنْ لم يشأ . ثم قال : إنّما ضغا الثعلب حين مات الأسد ، يعني كسرى ، ، وإنّي أخشن أنْ تكون هذه سنَةُ القرود ، وإنما قال : هذه الأشياء توهينا للمسلمين عند الفرس ؛ وإلا فالمشهور عنه الخوف من المسلمين وقد أظهر ذلك إلى من يثق به .