الكامل في التاريخ - ط دار صادر و دار بیروت - ابن الأثير، عزالدین - الصفحة ٤٠٤ - ذكر حجة خالد
على جيش عظيم هو جمهور من انتدب إليه فيهم سهيل بن عمر وفي أمثاله من أهل مكة ، وشَيّعه ماشيا ، وأوصاه وغيره من الأمراء . فكان مما قال ليزيد :
إني قد ولّيتك لأبلوك وأجرّبك وأخرّجك ، فإنْ أحسنت رددتك إلى عملك وزدتُك ، وإنْ أسأتَ عزلتُك ، فعليك بتقوي اللهّ فإنّه يري من باطنك مثل الذي من ظاهرك ، وإنّ أولى الناس بالله أشدهم تولياً له ، وأقرب الناس من الله أشدهم تقرباً إليه بعمله ، وقد وليتك عملَ خالد فإياك وعبية الجاهلية فإن الله يبغضها ويبغض أهلها ، وإذا قدمتَ على جندك فأحسِن صحبتَهم ، وابدأهم بالخير ، وعِدْهم إياه ، وإذا وعظتَهم فأوجز ، فإنّ كثير الكلام يُنْسِي بعضه بعضاً ، وأصلِح نفسك يصلحُ لك الناس ، وَصِّلِ الصلوات لأوقاتها بإتمام ركوعِها وسجودِها والتخشع فيها ، وإذا قَدِم عليك رسلُ عدّوك فأكرِمهم ، وأقلل لُبْثَهم حتى يخرجوا مِنْ عسكرك ، وهم جاهلون به ، ولا ترينهم فيروا خللك ، ويعلموا عِلْمك ، وأنْزِلهم في ثروةِ عسكرك ، وامنع مَن قبلك من محادثتهم ، وكُمْ أنت المُتَوَلِّي لكلامهم ، ولا تجعل سرك لعلانيتك فيخلط أمرك ، وإذا استشرتَ فاصدُق الحديث تُصْدق المشورة ، ولا تخزن عن المشير خبرك فتؤتى من قبل نفسك ، واسمر بالليل في أصحابك تأتِك الأخبار ، وتنكشف عندك الاستار ، وأكثِر حرسك ، وبددهم في عسكرك وأكثر مفاجأتهم في محارسهم بغير علم منهم بك ، فمن وجدته غفل عن محرسه فأحسن أدبه ، وعاقبه في غير إفراط ، وأعقب بينهم بالليل ، واجعل النوبة الأولى أطول من الأخيرة